مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

"البيئة" على جدول الأولويات الوطنية: نحو استثمارات تراعي الأبعاد البيئية!

من المنتظر أن يناقش مجلس النواب خلال هذا الأسبوع قانون حماية البيئة المؤقت بعد ثلاث سنوات تماما من صدوره كقانون مؤقت في بداية العام 2003. ويبدو هذا الحدث في توقيته مناسبا تماما نظرا لتزايد حجم المشاكل والتحديات البيئية في الأردن والتي تحتاج إلى منظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة لمواجهتها.

 

وقد رأينا في الأيام الماضية مدى أهمية البعد البيئي ليس فقط في قضايا حماية الموارد الطبيعية بل في حق المواطن الأساسي في الحياة ضمن بيئة نظيفة وأهمية الربط المباشر ما بين قضايا البيئة والاقتصاد. لقد شهد الأردن في الأيام الماضية جدلا واسعا حول قانون الزراعة المعدل الذي يفتح المجال أمام هجوم الاستثمار على الغابات والأراضي الحرجية والتي لا تتجاوز 1% من مساحة الأردن، وتميز هذا الجدل بوعي بيئي ووطني هام وتحذيرات واضحة من مغبة تدمير الثروة الحرجية التي من الصعب تعويضها بهدف تحقيق أرباح استثمارية سريعة.

 

وقد نتج عن هذا القانون تحرك محمود لقوى المجتمع المدني في الأردن والتي تنسق عملها الآن من أجل رد القانون ورفضه من قبل مجلس الأعيان، كما تقوم بتنظيم حملة جمع تواقيع على عريضة مقدمة لرئيس الوزراء لرد القانون، وتعتمد العريضة على حجة منطقية وهي أن خسارة الغابات والثروة الطبيعية لا يمكن تعويضها بسبب استثمار قصير الأمد كما أن أرض الأردن التي تخلو من الغابات وهي 99% من المساحة الكلية متاحة لكل الاستثمار الرفيق بالبيئة.

 

ولا شك أن تاريخنا مع الاستثمارات لا يؤشر إلى الخير فيما يتعلق بتجاهل الأبعاد البيئية لتحقيق الاستثمار. ففي الشاطئ الجنوبي للعقبة أقرب واحدث مثال على ذلك حيث تم بيع أفضل الأراضي الساحلية في العقبة والتي تتميز بأروع أنواع المرجان والثروة الطبيعية بأسعار زهيدة لبناء المنتجعات السياحية الخاصة في منطقة "تالا بيه" والتي أصبحت حكرا على أصحاب المنتجعات المباعة بأسعار هائلة لم يستفد منها المجتمع المحلي في العقبة. كما أن هذا المشروع قام ببناء "بحيرة إصطناعية- لاجون" في الساحل ستتحول قريبا إلى مكرهة صحية لأن أي طالب سنة أولى جامعة يعرف أن إغلاق مجرى مياه البحر في بحيرة إصطناعية سيؤدي إلى تراكم الطحالب والتلوث وتدمير الثروة المرجانية والسمكية، وهذا ما حدث في إيلات ولكننا في الأردن مصرون على ارتكاب نفس الأخطاء. ومن الطريف أن المنطقة الوحيدة على ساحل العقبة المتاحة حاليا لسكان العقبة والمجتمع المحلي هي "المحمية البحرية" التي أنشأتها سلطة إقليم العقبة عام 1999 لحماية الأحياء البحرية والإدارة المستدامة للبيئة. وهذا المشروع البيئي أصبح المتنفس الوحيد لسكان العقبة في الشاطئ الجنوبي بعد هجوم المناطق السياحية الفارهة والفنادق والمصانع.

 

وقد شهدنا أيضا حادثة تدفق المياه العادمة إلى مجرى سيل الزرقاء وما تسبب به ذلك التدفق من أضرار بيئية كبيرة على نوعية المياه السطحية واستخداماتها الزراعية، وكذلك التأثير الذي لم يتم تحديد مداه حتى الآن على نوعية المياه الجوفية في الحوض المائي لمنطقة عمان-الزرقاء، وكل هذه الخسائر لها أضرار مادية واقتصادية واضحة.

 

لقد قدرت دراسة حديثة للبنك الدولي حجم الكلفة الاقتصادية للتدهور البيئي سنويا بحوالي 205 مليون دينار وهذا التقدير ليس جزافا بل مبنيا على تقدير كلفة العلاج والنفقات الصحية المترتبة على تلوث المياه والهواء وتدهور الأراضي الزراعية والنظام البيئي، وهذا ما يجعل من تدهور البيئة سببا مباشرا في خسائر اقتصادية قد لا تكون منظورة على المدى القريب ولكن تكلفة علاجها تصبح عالية جدا.

 

وأفضل مثال على ذلك هو حوض نهر الزرقاء، والمنطقة الممتدة من عين غزال حتى سد الملك طلال والتي يغذيها سيل الزرقاء، والذي كان نهرا رقراقا في الماضي. أن خيارات التنمية الاقتصادية العشوائية في منطقة سيل الزرقاء جمعت أكثر من 70% من مصانع الأردن في هذه المنطقة لتتعايش مع حوالي 60% من المواطنين الأردنيين وتسبب ذلك في حياة قاسية من التلوث الذي اثر على صحة الناس وخاصة في منطقة الهاشمية صاحبة مثلث التلوث الشهير (المحطة الحرارية، مصفاة البترول ومحطة الخربة السمراء) كما ساهم في تدمير نوعية المياه في سيل الزرقاء وكذلك المياه الجوفية في الضليل والزرقاء.

 

وبعد هذه السلسلة من الخيارات التنموية الخاطئة باتت الحكومة الآن في مواجهة مهمة صعبة لإعادة تأهيل منطقة سيل الزرقاء، وكذلك لإعادة تأهيل معظم مناطق التعدين والكسارات والتي تنتشر بشكل عشوائي في كل الأردن. وتشير تقديرات وزارة البيئة بأن أي مشروع وطني متكامل لإعادة تأهيل نهر الزرقاء ومعالجة مشاكله علاجا جذريا وليس علاجا للأعراض مثل فكرة سقف السيل والتي قد تبعد مشهد التلوث ولكنها ستدمر نظاما بيئيا كاملا، تشير هذه التقديرات إلى حوالي 40 مليون دينار. ولا شك في أن هذا المشروع يجب أن يكون مشروعا وطنيا ضخما بحجم مشروع قناة البحرين أو مشروع الديسي لأنه يخدم في نهاية الأمر أكثر من 50% من مواطني الأردن.

 

وهذا يعني جهدا وطنيا شاملا، ليس جهدا خاصا بالحكومة أو وزارة البيئة. وفي هذا السياق لا بد من ذكر واقعة أن الحكومة قررت إنشاء محطة مركزية لمعالجة المياه العادمة الصناعية من مصانع الزرقاء وحصلت على تمويل لنصف تكلفة المحطة على أن تساهم الصناعات في النصف الثاني، ولكن حتى الآن لا زالت الصناعات تتلكأ في القيام بمسؤولياتها وتنتظر من الحكومة أن توفر لها البنية التحتية كاملة، وهذا من شأنه القضاء على المشروع نهائيا والاستمرار في ضخ المياه العادمة في سيل الزرقاء بدلا من معالجتها بطريقة فنية وعلمية حديثة.

 

وفي حال قام مجلس النواب بإقرار القانون بشكله الحالي وبدون إضعافه حماية لمصالح المستثمرين فإن ذلك سيشكل نقلة نوعية في البعد التشريعي والسياسي لحماية البيئة في الأردن، حيث تبقى الحاجة أكيدة إلى وجود إرادة سياسية عالية المستوى لدمج البعد البيئي في كل السياسات الاقتصادية والتنموية وخاصة سياسات تشجيع الاستثمار، والتوافق ما بين مؤسسة تشجيع الاستثمار ووزارة البيئة في تحديد معايير وشروط واضحة وعملية للحفاظ على البيئة أثناء منح تراخيص الاستثمار تراعي أهمية التنمية الاقتصادية من جهة والبعد البيئي من جهة أخرى.

 

والواقع أن هناك مؤشرات ايجابية عديدة في القطاع البيئي في الأردن بالرغم من المشاكل والصعوبات، فإقرار قانون البيئة يعني استكمال المنظومة التشريعية، وفي حال تمت الموافقة على إنشاء صندوق خاص لحماية البيئة فهذا يعني تزويد قطاع البيئة بمصدر مستمر من الدعم المالي. وفي نفس الوقت فإن المؤسسات المعنية بحماية البيئة بدأت تنتقل إلى مراحل متقدمة من النضوج المؤسسي والفني سواء وزارة البيئة أو المؤسسات المدنية والأكاديمية. وفي نفس الوقت هناك تزايد في الوعي البيئي لدى المواطنين وهذا ما يساهم في جعل حماية البيئة أحد الأولويات المهمة للأردن وليس ترفا كما كان ينظر إليها في السابق.

 

إقرار قانون البيئة في هذا الأسبوع سيكون حدثا هاما في عملية تطوير وتحديث القوانين والتشريعات الأردنية ويعطي المؤسسات العامة والخاصة والمدنية أداة تشريعية قوية لتحقيق أهداف حماية البيئة وصحة المواطن والتراث الطبيعي للأردن، كما سيشكل القانون في حال تطبيقه بطريقة نموذجية وسيلة هامة لمعالجة الاختلالات البيئية من جذورها بدلا من ملاحقة الأعراض والمظاهر السلبية.

(هذه المقالة تنشر بالتزامن مع صحيفة الدستور الأردنية في يوم الأحد 6-2-2006 )


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية