توجهات وزارة المياه والري بزيادة قيمة فواتير المياه تصاعديا بناء على الاستهلاك هو من ضمن القرارات غير الشعبية، والتي تؤثر على الحالة الاقتصادية للمواطنين من الدخل المحدود وربما المتوسط، ولكنه أيضا من ضمن القرارات الحتمية والتي لا مجال للتهرب منها في ظل الوضع المائي الأردني السيء. ولكن المشكلة الحقيقية ليست في قرار رفع أسعار المياه تصاعديا بل في الإطار العام للإنفاق الحكومي والسياسة المائية والتي تجعل من رفع أسعار المياه مجرد مثال آخر لتوجه الحكومة نحو الحل السهل لحل مشاكلها من جيوب الناس بدلا الحل الصعب الذي يعني منع الهدر وإضاعة المال العام وهو ما يتضمن المواجهة مع المتنفذين من اقتصاديين وسياسيين ونواب. التوضيح الإحصائي الذي قدمته وزارة المياه والري مسنود علميا من دراسات مستقلة حول كلفة الإدارة المائية في الأردن، وقرار الوزارة في زيادة قيمة الفاتورة حسب نسبة الاستهلاك قرار صائب علميا وتقنيا. يكلف المتر المكعب من المياه 78 قرشا ويحقق عائدا بقيمة 52 قرشا وتقوم الحكومة بدعم فارق القيمة من الخزينة، ويشكل الدعم الحكومي القيمة الفعلية لاستمرارية الضخ للمواطنين الذين لا يتجاوز استهلاكهم 20 متر مكعب وهم الذين يشكلون الطبقة ذات الدخل المحدود وهي 27% من المستهلكين. وهذه الطبقة تدفع القيمة الأدنى للمياه وقد كانت زيادة الفاتورة طفيفة نسبيا ولا تتجاوز 165 قرشا وهو ثمن أقل من علبتي دخان في الشهر الواحد. وارتفعت الزيادة بقيمة دينار واحد لتصل إلى 265 قرشا للطبقة الوسطى والتي تستهلك من 20 إلى 40 مترا ثم زادت إلى 365 قرشا للطبقة الأكثر استهلاكا وهي لن تجد أية مشكلة في دفع هذه القيمة بل أن واجبها يحتم أن تساهم في دعم قيمة المياه في الأردن. الإنصاف والتحليل العلمي يقتضي عدم المبالغة في نقد القرار الحكومي، بل أن هذا التوجه منصف ويتعامل بحكمة مع استهلاك الطبقات المختلفة، وهذا ما لا تتمتع به معظم سياسات التعرفة الاستهلاكية للموارد الأخرى في الأردن. ولكن النقد يأتي من خلال البعد السياسي والاقتصادي العام، فقد أشار زملاء إلى أن زيادة أسعار المياه جاءت بعد قرار الحكومة بدعم شراء سيارات النواب بقيمة 2 مليون دينار، وظهر وكأن أثمان سيارات النواب ستكون من حصة المواطن الأردني من المياه، كما أن مظاهر الهدر العام والفساد والصفقات والعمولات والبذخ لا تزال تؤذي المواطنين الذين لا يشاهدون إجراءات حقيقية لمنع الفساد وهدر المال العام والذي يمكن أن يوفر على خزينة الدولة مبالغ باهظة تساهم في حماية دعم المياه والفاتورة النفطية ولا تجعل المواطن يتحمل الكلفة مرة أخرى. ولا شك أن وزارة المياه تواجه تحديات كبيرة لدعم تزويد المياه للمواطنين في ظل النقص الكبير في مصادر المياه، واستمرار المتنفذين وأصحاب المزارع الكبرى في استنزاف المياه الجوفية بدون دفع القيمة الحقيقية للدولة، واستمرار التهرب من الواجب الوطني في دفع قيمة الموارد المائية الثمينة بالرغم من جهود وزارة المياه في مراقبة الآبار الجوفية من خلال العدادات ونظام التعرفة الجديد للمياه الجوفية والذي تجد الوزارة نفسها في مواجهة قوية مع المتنفذين لتطبيقه، وتصل الأمور أحيانا إلى حد إطلاق الرصاص على موظفي وزارة المياه الذين يحاولون معرفة كمية المياه المستنزفة من الآبار. في حال وجدود إدارة مائية عادلة، وقيام المتنفذين والأثرياء بمسؤوليتهم في دفع قيمة المياه المستنزفة، وفي حال منع الفساد وهدر المال العام لن تجد الحكومة نفسها مضطرة للتنقيب في جيوب المواطنين للبحث عن دعم لقيمة المياه، ولكن الحل الأسهل يبقى دائما إجبار الناس على دفع الثمن، مع التأكيد مرة أخرى بأن قرار زيادة أسعار المياه كان متوازنا من الناحية التقنية والاجتماعية. معادلة صعبة، ولكنها دائما طبيعة الخصائص السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الأردن التي يجب تغييرها نحو نسب أعلى من العدالة.
السبت, 06 مايو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










