مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

مفهوم الحق في المياه في الإطار الأردني

معأن المياه تعتبر أساس الحياة، وهي نعمة إلهية تتوفر مجانا للإنسان في الطبيعة، إلا أن بني البشر تعاملوا مع المياه بإهمال، إما من خلال الاستنزاف المستمر وإما من خلال التلوث وأخيرا من خلال تحويل المياه إلى سلعة يمكن بيعها وشراؤها، والأخطر من ذلك يمكن تملكها من قبل مجموعة من الشركات، وذلك تطبيقا لاتفاقية الخدمات البيئية التابعة لمنظمة التجارة العالمية. وبالفعل دخل العالم الآن في زمن العولمة الاقتصادية في عهد تملك المياه.

 

كان تضمين المياه كأحد أنواع الخدمات التي ستضاف إلى لائحة اتفاقية الغاتس لتحرير التجارة في الخدمات في مؤتمر الدوحة 2001 لمنظمة التجارة العالمية أحد أهم النتائج السلبية والمثيرة للقلق في المؤتمر حيث أصبحت الموارد المائية بموجب هذا البند "خدمة" وسلعة خاضعة لمنطق السوق ومنطق العولمة.

 

ويعني ذلك فتح خدمات المياه للقطاع الخاص،  بما يعني تشغيل وإدارة المرافق العامة لمياه الشرب ومحطات تنقية المياه وتسعير المياه وخصخصة شركات المياه وجعل السوق ومنطق الأسعار هو الذي يقرر طريقة توزيع المياه. وتصل قيمة التجارة والاستثمار في قطاع المياه في العالم حاليا 300 بليون دولار.

 

وفي مواجهة مشاكل تدهور نوعية المياه ونقص كميتها، وخطر خصخصة مياه الشرب طورت الأمم المتحدة في نوفمبر 2003 ومن خلال قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 15 لعام 2003 مبادئ جديدة لحق الحصول على المياه كأحد أنواع حقوق الإنسان المعتمدة دوليا.

 

ويعتمد إعلان الأمم المتحدة حول الحق في المياه على مبدأ مباشر وواضح وهو أن المياه النظيفة القابلة للشرب موجودة بكميات كافية في العالم ولكن الفقراء والمهمشين هم اقل الفئات قدرة على الحصول على المياه النقية لأسباب اقتصادية واجتماعية وأحيانا سياسية أكثر منها أسبابا بيئية وطبيعية.

 

ويهدف المقال التالي إلى تحليل مؤشرات وأبعاد الحق في المياه كما تضمنه قرار الأمم المتحدة، ضمن الإطار الوطني الأردني لتقييم مدى ارتباط السياسات المائية الأردنية بمبادئ الإعلان الدولي حول الحق في المياه.

 

مؤشرات الحق في المياه:

 

تضمن إعلان الأمم المتحدة حول الحق في المياه بعض المؤشرات الأساسية لتقييم حالة حق المياه في الدول وهي مؤشرات يمكن عرضها وتحليلها بناء على الوضع القائم في الأردن كما يلي:

 

توفر كميات كافية ودائمة من المياه:

 

يعتبر توفر كميات كافية ودائمة من المياه هو المؤشر الرئيسي على الحق في المياه حسب إعلان الأمم المتحدة. ويعتمد المؤشر على وجود تدفق متواصل من المياه النظيفة إلى المنازل وعلى مؤشر إحصائي رئيسي هو نسبة السكان المخدومين بمياه الشرب البلدية من خلال الشبكة الحكومية، وهو نفس المؤشر المستخدم في الأهداف الإنمائية للألفية Millennium Development Goals.

ويمكن للأردن أن يعلن عن تحقيق انجاز حقيقي في هذا المضمار، فعلى الرغم من الشح الكبير في الموارد المائية الطبيعية فإن الأردن تمكن من إيصال المياه إلى 95% من المنازل في المناطق الحضرية وحوالي 65% في المناطق الريفية  في المملكة، وهي نسبة عالية مقارنة مع معظم الدول النامية في العالم. ولكن الصورة الايجابية لا تكتمل فيما يتعلق بكمية تدفق المياه واستمراريتها، فقد أجبر شح المياه وتدني النوعية أحيانا إلى تقليص تدفق المياه للمنازل إلى معدل يومين في الأسبوع في الصيف وهو ما جعل المواطنين يلجئون إلى وسائل "استراتيجية" لإدارة المياه منها إنشاء خزانات التجميع والآبار المنزلية وأحيانا شراء المياه من القطاع الخاص.

 

    نوعية مياه مناسبة للشرب:

 

في هذا المؤشر تكمن حالات تناقض في نوعية المياه حيث تؤكد المؤشرات الرسمية حسن نوعية المياه وأن الحكومة لا تضخ المياه إلا بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات المحلية. وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة المياه والمنشورة في كتاب الإحصائيات البيئية الأردني السنوي أن نسبة العينات العشوائية المخالفة لمواصفات مياه الشرب هي اقل من 1% في معظم الحالات. ولكن تحدث في الكثير من الأحيان حالات مرض وتسمم وإغلاق مؤقت لبعض الآبار والينابيع المستخدمة في تزويد المياه للمنازل. وتشير بعض الدراسات إلى تلوث مقلق في بعض الآبار الجوفية ومحطات تنقية مياه الشرب مما يجعل الطلب على المياه المعلبة منتشرا وخاصة في العاصمة عمان. ولكن وزارة المياه تحقق تطورا في الاستثمارات الخاصة بتحسين أداء محطات التنقية واستخدام أنظمة متقدمة لتحلية المياه المالحة نسبيا (المسوس) لأغراض الشرب. 

 

 

البنية التحتية لخدمات المياه والقدرة على الوصول إلى الناس:

تعاني البنية التحتية للمياه في الأردن من القدم والاهتراء والضعف والتسرب بالرغم من أنها تغطي مساحات كبيرة من المناطق الريفية وتصل إلى معظم أماكن تواجد المواطنين. وتصل نسبة الفاقد المائي إلى 48% وهي نسبة عالية جدا وتساهم في إضاعة كميات هامة من المياه الشحيحة. وتعمل وزارة المياه حاليا على تحسين كفاءة شبكات المياه وخاصة أن معظم مناطق تواجد مصادر المياه تعتبر بعيدة عن مناطق الاستهلاك المكثف في المدن وتحتاج إلى جهد كبير في تأسيس البنية التحتية وصيانتها. 

 

 

القدرة المالية على الحصول على المياه:

 

ترتبط القدرة الشرائية للمواطنين في الحصول على المياه بشكل مباشر بعملية الخصخصة الجزئية لقطاع المياه في عمان من خلال تفويض شركة ليما الفرنسية بإدارة نظام تزويد المياه وقيمتها المالية. ومع أن نظام الخصخصة في الأردن استمر في اعتبار موارد المياه ملكا للدولة وليس للشركة واقتصر على خصخصة المرافق والعمليات، فإن المواطن الأردني لمس ارتفاعا في سعر المياه منذ بداية الخصخصة. وعلى الورق يبدو نظام تسعير المياه في الأردن منطقيا إذ أن الفاتورة ترتفع بمقدار كمية الاستهلاك المنزلي كما أن سعر المياه المخصصة للصناعة والمرافق التجارية لا يزال أعلى من المياه المنزلية، إلا أن الكثير من حالات الخلل في احتساب قيمة المياه المستهلكة ووجود فواتير مرتفعة بشكل غير منطقي، وإضطرار المواطن لدفع قيمة الفاتورة قبيل مناقشة مشكلة التحصيل تبقى مؤشرات على تراجع في حقوق الحصول على المياه بالنسبة للطبقات الفقيرة والمتوسطة والتي تبقى أكثر اعتمادا على مياه شبكة التزويد الرسمية من شراء المياه المعلبة أو من الصهاريج بأسعار غالية.

 

عدم التمييز في الحصول على المياه:

 

يتعلق هذا المؤشر بعدم وجود تمييز في القدرة على الحصول على المياه ما بين المناطق الريفية والحضرية، وما بين بعض الفئات الاجتماعية والعرقية في الدولة. وفي الأردن لا يوجد تمييز في التزويد المائي، حيث تصل نسبة المنازل في المناطق الريفية المزودة بشبكات المياه إلى 65% وهي نسبة قريبة من المناطق الحضرية والتي تصل 95% تقريبا. زلا توجد كذلك توجهات للتمييز في خدمات المياه ما بين الفئات الاجتماعية، وحتى في مخيمات اللاجئين فإن خدمة المياه شبه عامة ولا تقل عن مثيلتها في المدن إلا أن بعض المشاكل تحدث في خدمة الصرف الصحي وخاصة في المخيمات والقرى المنعزلة في الريف.

 

توفر المعلومات حول نوعية المياه:

 

تنشر وزارة المياه والري إحصائات عديدة حول المياه، وتوجد فيها وحدة إعلامية وتثقيفية خاصة بنشر المعلومات والتوعية بأساليب ترشيد الاستهلاك. وتقوم مؤسسات بحثية شبه مستقلة مثل الجمعية العلمية الملكية بإجراء دراسات وقياسات تقييم لنوعية المياه السطحية والجوفية ومياه الشرب وتنشر هذه النتائج في تقارير علمية ترسل إلى وزارة المياه. ولكن لا يوجد نظام مفتوح لنشر الإحصائيات والمعلومات المائية لجميع المواطنين وسائل الإعلام وفي حالة وجود أزمات معينة في نوعية المياه، وكما حدث في حالة تلوث المياه في عمان صيف 1998 يصبح الحصول على المعلومات أمرا عسيرا على من هم خارج نطاق الموقع الرسمي وخاصة الإعلام والمنظمات غير الحكومية.

 

توفر المياه من أجل الأمن الغذائي:

 

يرتبط هذا المؤشر مباشرة بكميات المياه المخصصة للزراعة الهادفة إلى تزويد السوق المحلي والأمن الغذائي الوطني. وبالرغم من أن الزراعة تستهلك 70% من كميات المياه في الأردن إلا أن القطاع الزراعي يشكو من تدني نوعية المياه وتراجع هذه النسبة من 75% في السنوات الماضية وقيام وزارة المياه بفرض أسعار جديدة أكثر ارتفاعا على مياه الري وخاصة في وادي الأردن. وقد حدثت حالات من الصدامات المسلحة ما بين موظفي وزارة المياه وبعض المزارعين اثناء قيام الوزارة بتسجيل كميات الضخ الإضافي من الآبار الجوفية. ولكن هذا التوجه من قبل وزارة المياه يبدو متناسبا مع سياسات الوزارة في إعطاء الأولوية لمياه الشرب في التزويد المائي على حساب القطاع الزراعي والاعتماد على المياه العادمة المعالجة للاستخدام في الري. كما أن شح المياه في الأردن يفرض الحاجة إلى تحديد قيمة شبه حقيقية لمياه الري تتناسب مع العائد الزراعي وعدم الاستمرار في استنزاف الأحواض المائية مجانا من قبل المزارعين. ولكن هناك تباين في السياسات خاصة مع الشركات الزراعية الكبرى التي تقوم بتصدير منتجاتها خارج السوق الأردني والتي تحصل على كميات هائلة من مياه نظيفة من حوض الديسي في الجنوب وهي المخزون الاستراتيجي الأردني من مياه الشرب بسعر مدعوم علما بأن هذه الشركات الكبرى لا تخدم الأمن الغذائي المحلي. وفي المحصلة فإن المزارع الصغيرة العائلية التي تعتمد زراعة الكفاف هي التي تدفع الثمن الأكبر من زيادة أسعار مياه الري.

 

نوعية المياه والأنظمة البيئية الطبيعية:

 

يرتبط هذا المؤشر بأهمية الاحتفاظ بكميات محددة من المياه في الأنظمة البيئية الطبيعية كافية لضمان استقرار هذه الأنظمة البيئية مثل الأنهار والأحواض المائية وغيرها. ويبدو هذا المؤشر هو الأقل اهتماما في الأ{دن لأن الحاجة الماسة إلى مياه الشرب والري تسببت في استنزاف الكثير من الأنظمة البيئية الطبيعية وتدهورها التام وخاصة حوض الأزرق ونهر الأردن ونهر الزرقاء واليرموك ومعظم هذه الأنظمة البيئية المتميزة أصبحت شبه جافة نتيجة الاستنزاف الكبير وسوء الاستخدام بسبب الطلب المتزايد على مياه الشرب.

 

 

المياه المتوفرة للمنازل وحق السكن:

 

يتعلق المؤشر بمدى إعطاء الأولوية لايصال المياه إلى المنازل ودور السكن وخدمة الصرف الصحي في المنازل، وفي هذا الإطار حقق الأردن نجاحا ملحوظا كما أسلفنا في ايصال خدمة المياه إلى 97% من المنازل ولكن تبقى النقائص في مجال الصيانة حيث تعاني معظم الشبكات في المناطق الريفية وبعض المناطق الحضرية من سوء الصيانة والتسرب مما يضعف من شمولية التزويد المائي. وقد تم تطوير تشريعات وأنظمة جديدة على المستوى الوطني في السنوات الماضية تؤكد على ضرورة بناء أنظمة لتجميع المياه في كل المنازل أثناء عملية الحصول على ترخيص البناء وهو ما سيساهم في تعزيز توفر المياه للاستخدام المنزلي.

 

المياه المتوفرة لسبل المعيشة والحق في العمل:

 

زاد في السنوات القليلة الماضية الاهتمام بتوفير كميات أكبر من المياه للقطاع الصناعي والسياحي، ولكن بأسعار تزيد كثيرا عن المياه المتوفرة للمنازل. ويأتي ذلك مع تطور التنمية الاقتصادية وزيادة الطلب من القطاع الصناعي على مصادر المياه. وقد طورت بعض القطاعات الصناعية أيضا طرقا تقنية جديدة لإعادة استخدام المياه في العمليات الصناعية وتعظيم كفاءة الاستخدام.  

 

تضمين مبادئ "الحق في المياه" في التشريعات والسياسات المائية الأردنية:

 

تمت صياغة معظم الاستراتيجيات والسياسات التي تحكم إدارة المياه في الأردن في العام 1997 حيث تم تطوير خمس سياسات قطاعية واستراتيجة مائية لا تزال معتمدة حتى الآن مع بعض التعديلات الطفيفة، كما تم تطوير التشريعات الخاصة بوادي الأردن عام 2002 وتم إدخال تسعير مياه الري من الآبار الجوفية على المزارعين في العام 2002 أيضا.

 
وبالتالي فإن مبادئ الحق في المياه كما تضمنها إعلان الأمم المتحدة غير موجودة في التشريعات والسياسات المائية الأردنية كمصدر معرفي أو معياري، وفي الواقع فإن الإعلان نفسه غير معروف على نطاق صانعي السياسات المائية في الأردن كما يتبين من منشورات وزارة المياه وتصريحات صانعي القرار بالإضافة إلى أوراق العمل والدراسات التي تم إعدادها من قبل خبراء وزارة المياه ومعظم المؤسسات الوطنية في العامين 2005 و 2006 والتي يفترض أن تعكس أحدث أنواع المعرفة لدى هؤلاء الخبراء والمختصين.


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية