تمثل الزراعة أحد أهم عناصر التنمية المحلية في الأردن وكل العالم بلا استثناء، حيث تشكل مصدر الدخل الرئيسي لآلاف الأسر والمجتمعات الريفية، وتمثل عماد الأمن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات المحلية. وفي المقابل باتت قضية حماية الموارد الطبيعية والبيئة من التدهور عنصرا هاما في التنمية المستدامة، وتبدو الروابط ما بين الموارد الطبيعية والنشاط الزراعي واضحة تماما في المجتمعات المحلية في الأردن. تعتمد الزراعة كنشاط إنتاجي على إنتاجية الأراضي والتي بدورها تعتمد على صيانة النظام البيئي والموارد الطبيعية وخاصة المياه والتربة، وبالرغم من أن الزراعة وحماية البيئة كانتا في ساحة المواجهة في بعض الأوقات لكن القناعة باتت واضحة بأن حماية الموارد الطبيعية هي المدخل الرئيسي لحماية الإنتاجية الزراعية. وتلعب المرأة دورا هاما في استدامة الاقتصاد المحلي المبني على الزراعة في العديد من المجتمعات المحلية، وقد لاحظ القائمون على مشاريع التنمية المحلية في الأردن خلال السنوات الماضية أن مساهمة المرأة هي عنصر لا غنى عنه في نجاح نشاطات التنمية وقد تراكمت التجارب لتعطي مؤشرات واضحة على مدى قدرة المرأة الأردنية على الوصول إلى نجاح ملموس على أرض الواقع في مشاريع التنمية المستدامة. هذه الانجازات على أرض الواقع تتجاوز فعليا الصخب الإعلامي المرافق لمسألة النوع الاجتماعي Gender والذي سيطر بشكل واضح على النقاشات المتعلقة بدور المرأة في حماية البيئة في السنوات الماضية، بل أصبح في كثير من الأحيان المدخل الوحيد للنقاش ورسم الاستراتيجيات والخطط في هذا المجال، لكن التطبيق الحقيقي لقواعد الاستدامة البيئية كان يتم عادة من قبل النساء الريفيات وفي المجتمعات المحلية وضمن الظروف الاجتماعية-الاقتصادية الخاصة بكل مجتمع. وفي الأردن، تم تنفيذ العديد من المشاريع التي اتجهت مباشرة للمجتمعات النسوية في الأرياف، وقدمت دعما محدودا ولكنه كان كافيا لإطلاق الطاقات الكامنة واستثمار المعرفة التقليدية وتوظيفها في حماية الموارد الطبيعية، ولعل أهم البرامج التي قدمت مثل هذا الدعم برنامج المنح الصغيرة لمرفق البيئة العالمي GEF Small Grants Program في الأردن، ويقدم المقال التالي بعض التجارب الناجحة في ريادة المرأة الأردنية في تحقيق التكامل بين حماية الموارد الطبيعية والتنمية الزراعية المستدامة. دعم سبل المعيشة المستدامة يكمن أحد الأهداف الرئيسية لبرامج التنمية المحلية في إظهار قدرة سبل المعيشة المستدامة على تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية مقنعة وقابلة للتكرار خصوصا فيما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية وحماية التنوع الحيوي من خلال استثمار المعارف التقليدية للمجتمعات المحلية بطريقة مستدامة بيئيا. تعتبر محافظة عجلون هي المنطقة الأكثر خضرة في الأردن، وتحتفظ بحوالي 50% من الغابات الطبيعية الباقية في الأردن. وفي هذه المحافظة تلعب النساء دورا كبيرا في إدارة الموارد الطبيعية، وفي منطقة الجبل الأخضر قامت جمعية نسائية وبدعم من برنامج المنح الصغيرة بتنفيذ مشروع حملة التوعية البيئية وتحسين إدارة الموارد الطبيعية". وكان الهدف الرئيسي للمشروع هو إدخال أساليب الإدارة المستدامة للأراضي والتي تساهم في حماية التنوع البيولوجي وكذلك في تحسين مصادر الدخل والمكانة الاجتماعية والاقتصادية للسكان المحليين من خلال مشاريع الزراعة المحلية مثل زراعة النباتات الطبية وإنتاج العسل. ويتضمن هذا المشروع كذلك تأسيس قرض دوار يخدم حوالي 100 إمرأة في المنطقة، كما يتضمن مكونات لتحسين سبل المعيشة المستدامة مثل بناء آبار الحصاد المائي المترافقة مع أنظمة الري بالتنقيط، وتنفيذ نشاطات تحسين وإدارة الغابات المنتجة. وقد مثل هذا المشروع نجاحا فعليا في تغيير نمطية الدعم التنموي الذي يشبه " الصدقة والمعونة" إلى مبادرات لبناء القدرات المستدامة واستثمار المعرفة الأصيلة والمحلية يمكن تعميمها على عدة مناطق وفئات اجتماعية واقتصادية كما ربطت هذه المشاريع بين التنوع البيولوجي والمشاريع المدرة للدخل مما يجعل حماية التنوع الحيوي نشاطا إنتاجيا ذا فوائد اقتصادية محسوسة. ومع اقتراب المشروع من نهايته، فقد تمكنت النساء اللواتي اقترضن من إعادة القرض كاملا والاستمرار في المشاريع الصغيرة التي بدأنها واستعادت البلدة الصغيرة حيويتها بشكل واضح وباتت الغالبية العظمى من النساء مقتنعات بجدوى هذا المشروع وزاد الإقبال على القروض. حفر آبار تجميع المياه المنزلية: تعاني الكثير من المجتمعات الريفية في الأردن من صعوبات الحصول على مياه الشرب والري الملائمة من ناحية النوعية والكمية. فمياه الشرب التي يتم ضخها عبر الشبكة البلدية تنقطع معظم أيام الشهر، وفي الصيف لا تضخ إلا مرة واحدة أسبوعيا ولساعات قليلة. وهذا ما يضع العائلات في المناطق الريفية أمام ضرورة شراء المياه بالصهاريج بتكلفة عالية. بعض المؤسسات المانحة مثل الوكالة الألمانية للتعاون التقني GTZ وبرنامج المنح الصغيرة لمرفق البيئة العالمي، قامت بتقديم الدعم للكثير من المنظمات الريفية غير الحكومية، وخاصة الجمعيات النسائية من خلال قروض دوارة للمجتمع المحلي والعائلات يتم بواسطتها بناء آبار لتجميع مياه الأمطار والحصاد المائي في الحدائق والمنازل مما يوفر كمية كافية من المياه النظيفة طوال أيام السنة للاستعمالات الزراعية والمنزلية وتقليص الحاجة لشراء المياه من الصهاريج. وقد انتشرت هذه المشاريع الصغيرة في سائر المناطق الريفية في الأردن وأثبتت نجاحا واضحا ومن أهم المناطق التي نجح فيها المشروع منطقة راكين في الكرك والتي حققت نسائها إنجازا هاما في بناء آبار الحصاد المائي لدعم الزراعة المنزلية وأيضا بعض نشاطات الزراعة التسويقية. زراعة النخيل وحماية البيئة في وادي الأردن: يعتبر وادي الأردن من أحد أكثر الأنظمة البيئية في العالم تميزا، وكذلك من أكثرها هشاشة. ويمثل هذا النظام البيئي أكثر مناطق العالم انخفاضا عن سطح الأرض وهو البحر الميت ( حوالي 400 متر تحت سطح البحر) كما يتضمن مناطق ذات أهمية دينية وتراثية وأثرية وبيئية كبيرة معرضة لخطر التدهور البيئي. وتتضمن المنطقة أيضا نهر الأردن مما يجعلها أحد أهم مناطق المياه الدولية في العالم. ويعيش في منطقة وادي الأردن بعض من أكثر المجتمعات المحلية فقرا في البلاد، والتي تعتمد في معيشتها على النشاطات الزراعية. وبسبب الشح المتزايد للموارد المائية في المنطقة فإن تحديات الاستدامة في الأنشطة الزراعية باتت تشكل عبئا كبيرا على المجتمعات المحلية مما يستوجب البحث عن وسائل معيشة جديدة أكثر استدامة. وتمثل بلدة داميا التي تقع على مسافة كيلومتر واحد من الضفة الشرقية لنهر الأردن منطقة نموذجية لتنفيذ مشاريع التنمية المستدامة في المنطقة، حيث تقع على منطقة إستراتيجية ولكن تربتها غير مناسبة للزراعة التقليدية في حين تعد نسبة المتعلمين من أبناء المجتمعات المحلية فيها عالية. وقد عانت البلدة بسبب الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية مطولا كما كانت تتواجد في أراض المنطقة كميات كبيرة من الألغام مما عطل كثيرا مشاريع التنمية فيها. ولهذا فقد اهتم برنامج المنح الصغيرة بدعم ثلاثة مشاريع في بلدة داميا. قدم البرنامج دعما لنادي داميا الاجتماعي الرياضي لتنفيذ مشروع "زراعة النخيل في بلدة داميا" الذي نفذه النادي بالتعاون مع العديد من المؤسسات الوطنية مثل سلطة وادي الأردن والصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية والقطاع الخاص. ويهدف المشروع إلى التعامل مع الظروف البيئية الصعبة المحيطة بشكل ايجابي عن طريق زراعة النخيل في التربة المالحة التي لا تصلح لزراعة المحاصيل المثمرة. وقد ساهم محصول النخيل بدعم مصادر دخل المجتمع المحلي في المنطقة بشكل واضح ووفر الاستدامة لعمل النادي كما يقدم نموذجا لزراعة بديلة في المنطقة تتناسب مع شح المياه فيها وطبيعتها البيئية القاسية. وقد قدم برنامج المنح الصغيرة للنادي دعما آخر لتنفيذ برنامج خاص للاتصال والتوعية البيئية متعلق بالمشروع سابق الذكر، بهدف ايصال فكرة المشروع وفوائده إلى أكبر عدد ممكن من السكان والمزارعين في منطقة وادي الأردن وكذلك القيام بتنفيذ دورات تدريبية للمزارعين المهتمين بتكرار التجربة. وبعد نجاح المشروع الأول، ولخدمة أكبر قطاع ممكن في المنطقة قدم برنامج المنح الصغيرة دعما للجنة النسائية في نادي داميا لتنفيذ مشروع "دور المرأة في الإدارة المتكاملة للموارد المائية والأرضية في وادي الأردن". ويهدف المشروع إلى تقديم الدعم للقطاع النسائي في بلدة داميا لتطبيق مشاريع مدرة للدخل ومستدامة بيئيا مثل تربية النحل وزراعة الأعشاب الطبية وغيرها. ومن المتوقع أن تكون لهذا المشروع نتائج ايجابية لا على البيئة المحيطة فقط بل على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع المحلي وبخاصة الوضع الاجتماعي للنساء. تثبت العديد من النشاطات والمشاريع التي تعتمد على المعرفة المحلية وجهود المرأة والشباب والمجتمعات الريفية في الأردن نجاحا كبيرا في دمج مفاهيم حماية البيئة مع النشاطات الزراعية مما يحتم على صانعي القرار الزراعي والبيئي في الأردن الالتفات إلى التجارب الواقعية التي تتجاوز التنظير والنقاش الأكاديمي حول العلاقة بين الزراعة وحماية البيئة، لأن الإبداع عادة ما يأتي من الانجازات الحقيقية المعتمدة على الأحوال الاقتصادية والطبيعية والاجتماعية التقليدية.
الاثنين, 24 يوليو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










