تعتبر حالة مصنع الإسمنت في مدينة الفحيص حالة نموذجية لمشكلة الحقوق البيئية للمواطن الأردني، وتقاطع هذه الحقوق مع أولويات الاستثمار والتنافسية من جهة القطاع الخاص، وأهمية الرقابة والشفافية والتنشريعات الملائمة من قبل الدولة. ويمكن القول أن حالة مصنع الإسمنت تلخص وضع الحقوق البيئية في الأردن وتقدم حالة خاصة لكيفية التعامل مع هذه الحقوق. يعتبر وجود مصنع الإسمنت في قلب بلدة الفحيص منذ العام 1950 أحد أهم البؤر الساخنة للتلوث البيئي في الأردن، وخلال العقود السابقة كانت العلاقة بين المصنع والمؤسسات المحلية في الفحيص متذبذبة، تصل أحيانا حد التعاون التام وأحيانا أخرى إلى العداء والمواجهة الشاملة، كما حدث في حالة توجه المصنع لاستخدام الفحم البترولي في نهاية العام 2001. تعتبر صناعة الإسمنت أحد أهم مصادر العملة الصعبة في الأردن حيث تساهم بنسبة عالية من قيمة الصادرات الأردنية، وقد توسع مصنع الإسمنت في الفحيص بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولكن هذا التوسع كان على حساب البيئة والإنسان في مدينة الفحيص. وقامت الجمعيات البيئية والمؤسسات المحلية في البلدة بتنظيم العديد من النشاطات ضد المصنع والتحذير من خطر التلوث في العقد الماضي، ولعل أهم هذه الجهود ما وصل إلى حد إعلان الملك الحسين في العام 1990 أن وجود مصنع الإسمنت في الفحيص يمثل مشكلة بيئية حقيقية دفعته شخصيا للرحيل عن منزله بسبب الغبار. وكانت هذه رسالة نقد غير مسبوقة من الملك إلى مؤسسة صناعية بعينها. وقد تسبب هذا النقد في تعامل إدارة المصنع بجدية مع قضية التلوث وتركيب بعض أجهزة الوقاية وتقليص انبعاث الغبار وصلت قيمتها إلى أكثر من مليون دينار أردني. وفي بداية التسعينات تعاونت إدارة المصنع مع المؤسسات المحلية مثل البلدية ومنظمات حماية البيئة في محاولة لكسب تأييدها والوصول إلى نمط إدارة مشتركة للمشاكل البيئية. ولكن هذه التجربة لم تستمر طويلا حيث اتهمت المنظمات البيئية إدارة المصنع بتجاهلها لالتزاماتها بينما اتهمت إدارة المصنع المؤسسات البيئية بالبحث عن المكاسب الشخصية والحصول على تمويل مستمر من المصنع. إلا أن القرار الذي أشعل المواجهة الشاملة وبشكل غير مسبوق كان في منتصف العام 2001 عندما قررت شركة مصانع الإسمنت، وبتوصية من الشريك الاستراتيجي شركة لافارج الفرنسية التوجه لاستخدام الفحم البترولي كمصدر رخيص للطاقة بدلا من الفيول نظرا لزيادة أسعار البترول وتعرض الشركة لخسائر مالية، وأهمية مواصلة "القوة التنافسية" للمصنع من خلال تقليص الخسائر وتوفير الموارد المالية. وبما أن مادة الفحم البترولي ذات تأثير شديد وملوث للبيئة فقد تسبب القرار في رد فعل قوي ومنظم من سكان الفحيص بشكل اساسي من خلال البلدية وبدعم من جمعيات حماية البيئة وبخاصة جمعية البيئة الأردنية وفرع الفحيص من الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، والتي بقي فرعها الرئيسي وإدارتها في عمان يتخذ موقفا محايدا ما بين شركة الإسمنت وسكان الفحيص. وكان مما زاد في اشتعال فتيل المواجهة أن المصنع قام بتمويل دراسة لتقييم الأثر البيئي نفذتها الجمعية العلمية الملكية، وبدون أن يتم استشارة سكان الفحيص والمؤسسات الملكية. وتوصلت الدراسة إلى أن استخدام الفحم البترولي لا يشكل خطرا على البيئة في حال تم الالتزام بالتوصيات التحذيرية الواردة في الدراسة. ولدى مرور الدراسة على المؤسسة العامة لحماية البيئة، وبسبب ضعف الكادر المعني بتقييم الدراسة بدا أن هناك توجها للموافقة على مضمون الدراسة والسماح لمصانع الإسمنت باستخدام الفحم البترولي، وكان هذه هي نقطة اللا عودة بالنسبة لسكان الفحيص والمنظمات البيئية والتي تحالفت في سلسلة غير مسبوقة من النشاطات الشعبية تسببت في إحداث ضغط كبير من الرأي العام المحلي خاصة وأن الصحافة قامت بعمل تغطية ممتازة لهذه التجمعات وساهم في تأجيج المواجهة عناد مصنع الإسمنت في عدم قبول مراجعة الدراسة والإصرار على استخدام الفحم البترولي وتردد وزارة البلديات ومؤسسة حماية البيئة في اتخاذ موقف واضح. وبنفس الوقت شكلت جمعية البيئة الأردنية لجنة علمية مستقلة أنيطت بها مهمة نقد دراسة تقييم الأثر البيئي التي قامت بها الجمعية العلمية الملكية وتوصلت اللجنة بعد دراسة شاملة إلى تحديد العديد من الثغرات المنهجية والأخطاء العلمية الواردة في تقرير الجمعية العلمية الملكية، وقامت الجمعية ومن خلال رئيسها أحمد عبيدات رئيس الوزراء السابق بأيصال نتائج دراستها وأسباب رفضها لاستخدام الفحم البترولي إلى الملك عبد الله الثاني. وقامت الجمعية في شباط 2002 بتصعيد حملتها ضد المصنع وطالبت بمنع استخدام الفحم البترولي في مؤتمر كبير عقدته في مدينة الفحيص شارك فيه مئات المهتمين. ومن ثم عقدت التجمعات الشعبية العديد من اللقاءات في الفحيص مع ممثلي المجتمع المدني والإعلام والنقابات والأحزاب والمثقفين وقدمت وجهة نظرها ومطالبها والتي انعكست من خلال سيل هائل من التغطيات الأخبارية والمقالات والكتابات غير المسبوقة على صعيد العمل البيئي العام في الأردن. وكان لا بد من وجود تدخل على مستوى القيادة السياسية، وبالفعل اصدر الملك عبد الله توجيهاته بإلغاء نتائج الدراسة السابقة والمطالبة بإجراء دراسة جديدة يتم خلالها استخدام كل المعايير العلمية الحديثة ومن قبل شركة دولية لدراسة تأثير الفحم البترولي، والالتزام التام بحماية صحة المواطنين. بعد صدور توجيهات الملك، التقطت وزارة البلديات والمؤسسة العامة لحماية البيئة الفرصة التي وفرها الغطاء الملكي وقامت بإعداد مرجعيات علمية صارمة لدراسة تقييم الأثر البيئي تضمنت إدخال الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لوجود مصنع الإسمنت في الفحيص، وهي توصية تعني بشكل غير مباشر أن يواجه مصنع الإسمنت خطر دفع تعويضات مادية لسكان الفحيص بسبب التلوث الذي أحدثه وجود المصنع، وكذلك استخدام الفحم البترولي. ولكن الوزارة تراجعت فجأة عن هذا البند نتيجة لضغط كبير مورس من قبل شركة الإسمنت والمحدد بكتاب أرسلته الشركة إلأى الوزارة وطالبت فيه بعدم تطبيق المواصفات القياسية العالمية على مصنع الإسمنت بل الاكتفاء بالمواصفات القياسية الأردنية، وعدم شمول الوضع البيئي الحالي بالدراسة وأن تقتصر على دراسة تأثير الفحم البتروليزرفض الشركة دراسة الأثر الاجتماعي والاقتصادي والذي يعتبر في الواقع من أهم عناصر الدراسة، بل العنصر الرئيسي في الحقوق البيئية كما رفضت الشركة تقديم اي تعويض للسكان. وأغضب ذلك التجمعات الشعبية في الفحيص والمنظمات البيئية والتي اتهمت الوزارة بالخضوع لضغط الشركة، وقامت بعقد اعتصام كبير أمام مصنع الإسمنت وبحضور مكثف من وسائل الإعلام وشددت من مطالبتها بترحيل مصنع الإسمنت تدريجيا من مدينة الفحيص والرفض المطلق لاستخدام الفحم البترولي. وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يتم تحديد الشركة التي ستقوم بتنفيذ دراسة تقييم الأثر البيئي، في الوقت الذي تقوم فيه شركة مصانع الإسمنت ببناء أفران الفحم البترولي في مصنعها القائم في بلدة الرشادية وتستعد لبناء الأفران في الفحيص، مما يعني أنها تعتبر نتائج الدراسة محسومة سلفا لصالح استخدام الفحم البترولي. ومن الممكن الوصول إلى بعض الاستنتاجات حول ههذ القضية وعلاقتها بالحقوق البيئية في الأردن: 1- تعتبر هذه القضية سابقة هامة في مساءلة الشركات الأردنية عن دورها في تلوث البيئة، حيث أن الموافقة على استخدام الفحم البترولي فيها تعتبر بمثابة تشجيعا لشركات الأخرى على استخدام تقنيات ملوثة ومفيدة اقتصاديا على المدى القصير. خاصة أن الطرف الرئيسي في القضية وهو شركة الإسمنت يعتبر قوة اقتصادية كبيرة دخلت في مرحلة التخاصية. 2- تعتبر القضية مؤشرا على سيادة مفهوم الربح والتنافسية الاقتصادية على مفهوم حماية البيئة والتخطيط لاقتصاد مستدام بيئيا. 3- قبل أن يتخذ الملك عبد الله موقفا واضحا بضرورة إعادة دراسة تقييم الأثر البيئي كانت وزارة البلديات ومؤسسة البيئة في حالة تردد شديد من اتخاذ موقف واضح في مواجهة شركة الإسمنت، مما يؤكد أن المؤسسات الحكومية تبقى مترددة في القيام بمسؤولياتها في قضايا إشكالية قبل الحصول على غطاء ملكي. 4- اثبتت دراسة تقييم الأثر البيئي الأولى أن هناك خللا واضحا في منهجيات تقييم الأثر البيئي في الأردن يجعل هذه الدراسات في الغالب دراسات تبريرية ومتلائمة مع متطلبات الشركات قبل أن تكون دراسات علمية منهجية ذات مصداقية وتعتمد على مبادء حماية البيئة والإنسان كما تشير إلى حدوث خلل في محاولة توظيف المعلومة لمصلحة نتيجة مسبقة تتفق مع متطلبات الجهة الممولة ( في هذه الحالة مصنع الإسمنت). 5- الدور الكبير الذي لعبته التجمعات الشعبية في الفحيص كان هو العامل الرئيسي في نجاح حملة مناهضة الفحم البترولي، ولوحظ ان جهود التجمعات الشعبية وسكان الفحيص كان سابقا على جهود جمعيات البيئة والتي استثمر بعضها جهود سكان الفحيص، بينما ترددت جمعيات أخرى وكان موقف إدارتها مغايرا لموقف فروعها في الفحيص. 6- لعبت وسائل الإعلام دورا كبيرا في دعم الجهود الشعبية في الفحيص، وتم توجيه نقد شديد على كل المقالات والتغطيات الإعلامية التي أيدت موقف مصنع الإسمنت، وكان واضحا أن الإعلام الأردني الرسمي والشعبي قد انحاز بالكامل لمواقف سكان الفحيص. 7- لم تحظ مصانع الإسمنت بالكثير من الدعم العلني من القطاع الخاص في الأردن، وباستثناء بيانات من نقابة العاملين في قطاع التعدين فإن جميع مؤسسات المجتمع المدني الأردني انحازت إلى سكان الفحيص في هذه القضية. 8- استخدمت جمعية البيئة الأردنية اسلوب الرد العلمي المنهجي وقامت بتقد دراسة الجمعية العلمية الملكية بشكل مقنع وقابلت الحجة بالحجة وهذا أسلوب غير معتاد من مؤسسات المجتمع المدني ويبشر بتحول واضح في أدائها. 9- لم تتدخل الحكومة والجهات الأمنية في نشاطات سكان الفحيص وتجمعاتهم الجماهيرية والشعبية، ومارست ليونة غير معهودة في السماح بتنظيم هذه التجمعات، والتي كانت في المقابل تجمعات حضارية وسلمية واستخدمت اساليب حديثة ومقنعة ولاقت الكثير من الارتياح.
الاثنين, 24 يوليو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










