مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

السدود السياسية تمنع تدفق المياه بين سوريا والأردن

مقالة بقلم: باتر محمد علي وردم
 

حرصت الحكومة الأردنية من خلال وزير المياه والناطق الرسمي للحكومة على عدم إظهار أي نوع من الخلاف الفني حول قضايا المياه العالقة مع الجانب السوري وخاصة في إدارة سد الكرامة وتعبئته بالمياه من الجانب السوري ولكن تفاصيل الخلاف أصبحت مادة إعلامية داخل وخارج الأردن وسوريا ويتم استغلالها حاليا بطريقة سياسية لا تمثل أي نوع من المصالح للطرفين.

 

الخلاف المائي الأردني-السوري ليس وليد مباحثات الأسابيع الماضية بل هو خلاف عالق منذ فترة، وفي هذا الصدد من الأهمية إعادة التذكير بنص تصريح وزير المياه السوري السيد نادر البني لوكالة الأنباء السورية قبل توجهه إلى عمان قبل شهر حيث قال : "لن نسمح أن يكون هناك خلاف بشأن المياه لان الرابط أقوى بكثير بين الشعبين وأن سورية قدمت دائماً أكثر من التزاماتها تجاه المملكة انطلاقاً من الواجب القومي تجاه أشقائها العرب". أما الموقف الأردني فقد عبر عنه رئيس الوزراء معروف البخيت في تصريح له في تموز الماضي قائلا :" إذا عدنا الى اتفاقيات الخمسينات، فقد كان هناك تجاوز سوري ورضينا بالأمر الواقع واستسلمنا ووقعنا اتفاقية عام 1987 تقر لهم بتجاوزاتهم، لكن حدث هناك تجاوز على هذه الاتفاقية، فقد كانت السدود المسموح بها للسوريين 27 سدا لكن الآن لديهم نحو 40 سدا إضافة للحفر الجائر للآبار والذي لم تقره الاتفاقية".  

 

من الطبيعي أن يظهر ذلك الخلاف في المفاوضات الأخيرة ولو كان إدعاء الحكومة بعدم وجود خلاف فإن ذلك سيكون شيئا غير قابل للتصديق أو أنه مؤشر على أن المباحثات لم تتطرق للجوانب الجوهرية.

في الإعلام السوري الشقيق الخلاف موجود وظاهر للعيان، والتفسير الوحيد تقريبا الذي يتم الترويج له في وسائل الإعلام السورية هو أن الطرح الأردني يمثل "وسيلة ضغط سياسية على سوريا".  ولكن لم يتم التوضيح لنا كيف يمكن للدولة التي تقع أسفل مصب نهر اليرموك أن تشكل ضغطا على الدولة التي تسيطر على مصب النهر وكمية التدفق. أما في الأردن فإن التعبيرات الإعلامية تتحدث عن "إغتصاب" الحق الأردني في المياه ولكن أيضا بدون الدخول في التفاصيل الفنية التي يجب أن تستند إلى الاتفاقيات الموقعة بين الدولتين. للأسف هذا التوجه وارد في الإعلام العربي عندما تتحول قضية فنية واقتصادية وتنموية إلى أداة للترويج السياسي.

الخلافات المائية اصبحت ظاهرة طبيعية ومتكررة بين الكثير من الدول في العالم، ودبلوماسية القانون الدولي للمياه بات عنصرا حيويا في العلاقات الدولية، ومعظم الأدبيات التي تعالج هذه المسألة تجمع على أن التشريعات الدولية حول تقاسم المياه لا زالت قاصرة عن تجاوز هذه الخلافات والوصول إلى مبادئ عملية لأن موازين القوى لا تكون متساوية عادة فالدولة التي تكون في أعلى مصب النهر تمتلك امتيازات أكبر وبإمكانها التحكم في كمية المياه المتدفقة إلى الدولة في أدنى مصب النهر، وفي هذا السياق يكون العامل الرئيسي في الوصول إلى اتفاق هو وجود حسن النية لدى الأطراف المعنية وهو نادر الحدوث في السياسة الدولية وأكثر ندرة في السياسات العربية المشتركة.

عندما ننزع القشرة السياسية عن القضية ونركز على التفاصيل الفنية فإن ما يحكم العلاقة المائية الأردنية السورية في حوض نهر اليرموك بالذات هي اتفاقية مشتركة تم توقيعها عام 1987 ويعتبر الأردن أنها لا تخدم مصالحه في الأساس كما أن سوريا تقوم ببناء مجموعة من السدود التي تحجز مياه اليرموك وتقلص تدفقها إلى الأردن. وفي هذا السياق فإن الأرقام والدراسات العلمية لا تكذب وكذلك صور الأقمار الإصطناعية  توضح وجود أكثر من 27 سدا على مسار نهر اليرموك وهو الحد الأقصى الذي تتضمنه الاتفاقية الأردنية-السورية بحيث لا يبقى في النهر عندما يدخل الأراضي الأردنية إلا سيلا من  المياه غير النظيفة ومعظمها من مخرجات محطات التنقية في سوريا وإسرائيل.

إسرائيل طبعا هي عامل رئيسي في تقويض الأمن المائي لأنها ايضا تستخدم مياه النهر في منشآت تربية الأسماك وبعض المشاريع التنموية بما يتنافى مع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وبالتأكيد فإن هذا الوضع يصب في مصلحة الطرف السوري الذي يحول الموضوع إلى خلاف أردني إسرائيلي في كل مرة يطالب فيها الأردن بتعديل الوضع الحالي حيث تطالب سوريا الأردن بأن يمارس الضغط على إسرائيل في مياه نهر الأردن وليس على سوريا. 

 

نهر اليرموك ليس نهرا سوريا خاصا حتى لو كان 95% من مياهه تقع في الأراضي السورية لأنه أيضا من أهم روافد نهر الأردن، وإذا كان البعض سيتحدث عن حق الدولة في السيطرة على المياه التي تتدفق في أراضيها فهذا يعني حق تركيا التام في حجز مياه الفرات ومنع دخولها إلى سوريا أو حتى حق إثيوبيا في السيطرة على منابع نهر النيل وهي قضية حياة أو موت لمصر والسودان، فالعلاقات الدولية في مجالات المياه لا تحل بطريقة الملكية الخاصة بل بالاتفاقيات.

 

المرجعية الفنية للقضية هي إذا الاتفاقية المائية الأردنية-السورية وإذا لم تكن هذه المرجعية إطارا يمكن للطرفين الالتجاء إليه لحل الخلاف بطريقة منطقية فإن اللجوء إلى التحكيم الدولي بقى شرا لا بد منه في حال بقيت السدود السياسية تمنع عودة المياه إلى مجاريها، فما يحدث الآن هو مشكلة تراجع ثقة سياسية بين عمان ودمشق يتم ترجمتها من خلال أزمة مائية.

 

تعتقد سوريا بأنها قدمت للأردن "أكثر من التزاماتها" وبالتالي لن تقدم المزيد ويعتقد الأردن بأن الاتفاقية غير منصفة ولا تعبر عن الحقوق الأردنية، وهذا يعني خلافا جوهريا في المواقف ينبغي حله لا من خلال التراشق السياسي عبر وسائل الإعلام بل من خلال لجان فنية مشتركة وإذا فشلت هذه اللجان فإن التحكيم الدولي يبقى هو الحل الأفضل والذي يعطي لكل ذي حق حقه بدلا من الاستمرار في هذه الحملات الإعلامية المتبادلة والتي تساهم في المزيد من عدم الثقة بين الطرفين والتي لا تخدم أحدا.


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية