باتر محمد علي وردم تم نشر هذه المقالة في عدد تشرين الثاني (نوفمبر) من مجلة "عقار الأردن" الاقتصادية المتخصصة في النمو العقاري والإستثمارات. ساقوم بنشر مقالة بيئية شهرية إن شاء الله في هذه المجلة باللغتين العربية والإنجليزية: تمتد المناطق الساحلية على مسار ملايين الكيلومترات حول العالم وتشكل مسكنا لحوالي ثلث سكان العالم. ولكن سيحتاج أي شخص إلى الكثير من البحث في عدة مواقع عالمية وربما لن يفلح في إيجاد حالة شبيهة بالعقبة، منفذ الأردن البحري الوحيد. هذه حالة فريدة لمنطقة ساحلية ضيقة ومحصورة وتتميز بحساسية بيئية عالية وجمال باهر للنظام البيئي معرض للضغط الثلاثي من "مثلث التهديدات البيئية" المتمثل في الصناعة والسياحة والنقل. بالإضافة إلى ذلك، فإن العقبة تمثل حالة دراسية لإثبات مدى إمكانية الدمج ما بين النمو الاقتصادي المتواصل والاستدامة البيئية. جمال بيئي حساس الجزء الأردني من خليج العقبة يمتد إلى مسافة 27 كم فقط. ولكونه المنفذ البحري الوحيد للأردن فإن الكثير من النشاطات التنموية تنافست على احتلال الساحل القصير خلال السنوات الخمسين الماضية. وفي هذا السياق لم تبق سوى 7 كيلومترات من الساحل في حالة "طبيعية" بمعنى أنها خالية من الموانئ والفنادق والمنتجعات الكنية والمصانع وتم تصنيفها "محمية بحرية" لكنها لا زالت تواجه خطر الإستثمار السياحي النخبوي. الضغط الكبير للتنمية في العقبة والمنافسة الشرسة بين النقل والسياحة والصناعة لاحتلال الشاطئ تركت البيئة في العقبة تحارب معركة صعبة ضد التدهور والتلوث. العقبة تشهد حاليا نقلة اقتصادية-اجتماعية وبيئية جوهرية وسريعة تشكل تحديا هائلا لتكامل النظام البيئي. أن الديناميكية الاقتصادية الكبيرة لسلطة المنطقة الاقتصادية الخاصة في العقبة والطفرة الهائلة في العقارات والتخطيط الاقتصادي الليبرالي ساهمت جميعا في تشكيل ضغوطات على البيئة الطبيعية في العقبة في عدة نواح. بناء على الخطة الشمولية للعقبة فإن حوالي 50% من الساحل سيتم استخدامه للسياحة و30% للخدمات (خاصة النقل) وتتبقى 20% للصناعات وهذه الخطط التنموية تقودها "مؤسسة تطوير العقبة" التي تأسست في العام 2004. بالرغم من كونه يعتبر جسما بحريا صغيرا فإن خليج العقبة يضم تنوعا فريدا من المرجان والحياة البحرية المرتبطة به. حوالي 50% من ساحل العقبة يتميز بوجود الحيود المرجانية والتي تضم 120 نوعا من المرجان الصلب و 10 أنواع من المرجان الرخو فقط في المياه الأردنية أما أنواع الأسماك فتبلغ 268 نوعا حسب الدراسات العلمية. أن هذه الثروة الحيوية في العقبة تعتبر من أهم عوامل الجذب السياحي خاصة بالنسبة للسياح الأجانب ورأس مال طبيعي مذهل يجب أن يتم حمايته ليساهم في توفير قيمة مضافة لعوامل التنافسية السياحية في العقبة. أن الموارد الطبيعية في العقبة تشكل العمود الفقري للجذب السياحي والذي يوفر بدوره الزخم الخاص لطفرة النمو العقاري في المنطقة الساحلية. ولكن هذه الطفرة العقارية قد تكون عاملا سلبيا ومدمرا للبيئة الطبيعية الجاذبة في حال لم يتم التخطيط لها بطريقة مستدامة وباحترام تام للجمال البيئي الحساس في العقبة. هل ينجح التنظيم؟ بهدف تنظيم العلاقة ما بين الإستثمار والأوضاع البيئية طورت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وطبقت حزمة متماسكة من التشريعات البيئية وهي تتمثل في قانون حماية البيئة في العقبة وقانون المنطقة المحمية البحرية. قانون حماية البيئة في العقبة رقم 21 للعام 2001 يوفر القاعدة الأساسية لتشريعات حماية البيئة في المنطقة الاقتصادية. يحدد القانون مجموعة من النشاطات والممارسات المحظورة المتعلقة بإدارة النفايات واستخدام مياه البحر وإنبعاثات المواد الضارة إلى البيئة. يقدم القانون إطارا تشريعيا مناسبا للإدارة والمراقبة البيئية في العقبة ومنها الموافقات والتصاريح البيئية ومراحل ما بعد الترخيص للنشاطات الاقتصادية. يتضمن القانون أيضا إجراءات مفصلة وملائمة لمنع التلوث البيئي وحماية الموارد البحرية وتطوير إطار تشريعي لفرض الغرامات على حالات التلوث. أما قانون المحمية البحرية رقم 22 للعام 2001 فيحدد مساحة وحدود المحمية البحرية وأهدافها بالإضافة إلى تحديد الممارسات الضارة والممنوعة التي يمكن أن تتسبب في تدمير وضرر البيئة الطبيعية والتأثير على الحياة البحرية أو جماليات المنطقة. من أجل دمج الاهتمامات البيئية في تشريعات تشجيع الإستثمار فقد تضمن قانون تطوير وتحسين بيئة الإستثمار رقم 11 للعام 2001 شروطا تقتضي أن يحصل أي نشاط إستثماري في حدود المنطقة الاقتصادية على موافقة من سلطة منطقة العقبة الاقتصادية تتعلق بشروط الصحة العامة والسلامة العامة والبيئة. القانون يحدد الإشتراطات والمتطلبات التي يجب تحقيقها قبل إصدار الرخصة ويحدد الوثائق التي يجب تقديمها مع طلب الحصول على الترخيص والفترات الزمنية المحددة لمراجعة وتعديل الوثائق. أما نظام الترخيص والموافقات في العقبة فهو يتضمن متطلبات بيئية تسمح بالرقابة الكافية والسيطرة على المخالفات البيئية ويتضمن نظام الرقابة الإجراءات التالية. يجب أن يقدم المستثمر طلبا لدائرة خدمات الإستثمار للحصول على رخصة تشغيلية. لإصدار هذه الرخصة يجب أن تكون السلطة مقتنعة بتحقيق المستثمر للمتطلبات الخاصة بالصحة العامة والسلامة العامة وحماية البيئة والآثار البيئية للمخطط الإستثماري. وتسمى عملية تقييم الآثار البيئية المحتملة بالموافقة البيئية Environmental Clearance ويتم هذا التقييم من قبل مديرية التخطيط البيئي. ومع ذلك فإن كفاءة ونجاح هذا النظام لا يزالان موضع شك. الكثير من المشاريع السياحية الكبرى تم الترخيص لإقامتها في مناطق ذات حساسية بيئية عالية وتضمنت بنى مضرة بالبيئة ولكنها مع ذلك حصلت على موافقات لتقييم الأثر البيئي واجهت نقدا شديدا من المنظمات البيئية غير الحكومية. أحد الأبعاد التنظيمية في المخطط الشمولي للعقبة يتطلب من المستثمر أن يحتفظ بحوالي 50 مترا من حدود مياه البحر كمنطقة عازلة قبل المباشرة ببناء المشروع الإستثماري. من أجل الحصول على المزيد من "السواحل" قامت بعض الإستثمارات الجديدة ببناء مسافات إضافية من ساحل البحر عن طريق بناء البرك البحرية الداخلية Lagoons وهي بيئات معروف عنها أنها تتسبب في مشاكل بيئية كثيرة من خلال تخفيف مستوى الحراك الطبيعي للمياه والذي من شأنه أن يقلل من ذوبان الإكسجين في المياه وبالتالي جعل المياه أكثر ركودا من الحالة الطبيعية وتعرضها لنمو الطحالب والكائنات النباتية البحرية التي تنمو في البيئة المائية الراكدة. إن كفاءة التكنولوجيا المستخدمة في البرك الداخلية في مشاريع مثل تالا باي وأيلا وسرايا العقبة سيتم إمتحانها في السنوات القليلة الماضية. سياسات مستدامة؟ بالإضافة إلى التشريعات قامت السلطة بتطوير وإقرار مجموعة من السياسات المرتبطة بتنظيم وإدارة البيئة الطبيعية. تتطلب السياسة البيئية في السلطة حماية عناصر البيئة وتحقيق التنمية المستدامة للموارد الطبيعية. السياسة المائية تتطلب حماية وإدارة موارد المياه الجوفية من الأحواض المائية القابلة للتجديد من خلال تقليل الضخ إلى مستوى قابل للاستمرار الآمن بالإضافة إلى تطوير وسائل وخطط لإدارة وإعادة استخدام المياع العادمة خلال تطبيق ممارسات الكفاءة في ترشيد استهلاك المياه وبرامج التوعية المائية. أما سياسة ترشيد استهلاك الطاقة فهي تدعو إلى توفير الطاقة المناسبة للمستهلكين بأقل الكلف الممكنة مع الحرص على تأمين احتياجات الطاقة المستدامة لمواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية الاجتماعية في المنطقة الاقتصادية. وتعتبر حزمة السياسات البيئية مؤشرا آخر على الجدية النظرية لسلطة المنطقة الاقتصادية الخاصة لحماية التكامل البيئي لكن العوامل الجذابة في استقطاب الإستثمارات قد تكون اشد تأثيرا مما يمكن معالجته بالعمل الورقي. لقد أقرت المنطقة الاقتصادية الخاصة سياسة صارمة لمنع إي إنسكاب للمياه العادمة والفضلات إلى مياه البحر وذلك لحماية البيئة البحرية عن طريق منع اي مصدر للتلوث. وهذا ما يجعل خليج العقبة مصنفا كمنطقة "خاصة" بناء على تصنيف المعاهدة الدولية لمنع التلوث من السفن والتي تعني المنع التام لإنسكاب الزيوت والنفط من السفن نحو البحر. بالرغم من هذه الحزمة من السياسات فإن العقبة لا زالت تفتقر إلى تطبيق سياسة الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية Integrated Coastal Zones Management التي تعتبر الإستراتيجية الرئيسية لحماية المناطق الساحلية والتي تتعامل مع الأولويات البيئية بنفس قيمة وحجم أهمية العوامل الاقتصادية في التخطيط. من الواضح حاليا أن نظام التخطيط في العقبة يعتمد على الأولويات الاقتصادية وتهميش الأبعاد الاجتماعية والبيئية. التأثيرات الحالية والمتوقعة: منذ إنشائها في العام 2001 تمكنت منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة من استقطاب إستثمارات بقيمة 8 مليارات دولار حتى العام 2007 مقارنة بالقيمة الستهدفة عند الإطلاق والتي كانت 6 مليارات دولار بحلول العام 2020. غالبية الإستثمارات كانت في قطاع العقارات وخاصة للأهداف السياحية التي تستهدف الصفوة الاقتصادية ورجال الأعمال من خلال استغلال ميزة المياه النظيفة والدافئة في خليج العقبة وعوامل الجذب المتمثلة في الساحل ذي القيمة الجمالية العالية. ولكن التأثيرات التراكمية للإستثمارات المتعددة والنمو الاقتصادي الكبير قد تؤثر على بيئة العقبة إلى درجة تتجاوز القدرة على إعادة التأهيل وبالتالي تؤدي إلى تدمير الجوهر الرئيسي للقيمة المضافة للعقبة. أم الضغوطات: ربما يكون أهم عناصر التغير البيئي في العقبة خلال السنوات القليلة القادمة هو النقل المزمع لميناء العقبة بتكلفة 3 مليارات دولار من موقعه الحالي إلى الشاطئ الجنوبي. حاليا تتوزع نشاطات الميناء المختلفة على ثلاث مواقع وتقترح الخطة الشمولية الجديدة للعقبة دمج هذه النشاطات الثلاث. وعلى كل حال فلا توجد جائزة لمعرفة كيف سيتم إستثمار الأرض التي تحتلها مناطق الميناء حاليا لأن الجواب الوحيد هو أن هذه المناطق سوف تستضيف المزيد من المشاريع السياحية التي تستهدف النحبة الاقتصادية ورجال الأعمال. من المتوقع أن عملية النقل هذه سوف تنتج الكثير من معالم التدهور البيئي خاصة في نشاطات التجريف وتدمير الحيود المرجانية في الشاطئ الجنوبي الذي سيضم الميناء الجديد. لن تكون الآثار مقتصرة فقط على المنطقة الساحلية حيث ستكون حالات تلوث الهواء الناجمة عن أعمال الحفر والإنشاءات والنقل مؤثرة بشكل كبير على كل المدينة وسكانها. المشروع سوف يخصص ما قيمته 50 مليون دينار لمواجهة التأثيرات البيئية ولكن من غير المتوقع أ، يتمكن هذا المبلغ من تعويض الخسائر الكبيرة من تدمير المرجان في الشاطئ الجنوبي. المنطقة الساحلية الجنوبية تغير وجهها بشكل سريع جدا. النشاطات الاقتصادية التي يقودها القطاع الخاص تغير هوية الشاطئ الجنوبي للعقبة إلى مجتمع سياحي رفاهي من خلال بناء العديد من المنتجعات والبرك الداخلية والفنادق ومرافق الترفيه، وبالإضافة إلى ذلك فإن مسارا متواصلا من مناطق المشاه والدراجات الهوائية سوف يمتد طوال الشاطئ. أن هذا السباق السياحي على الشاطئ الجنوبي يمكن أن يؤدي إلى الكثير من الضغوطات على سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة للتخلي عن المحمية البحرية أو أجزاء منها للسياحة المكثفة. إن هذه الكيلومترات السبعة من الساحل المحمية حاليا للحفاظ على الموارد البحرية ستكون جذابة جدا للمستثمرين في المستقبل. إعادة التنظيم المخطط لها للمناطق الصناعية المقامة حاليا في المنطقة الساحلية السفلى في الشاطئ الجنوبي تهدف إلى تحسين حراك المركبات مع إضافة بنية تحتية جديدة للنقل من أهم عناصرها محطة للقطارات وطرق وصول جديدة لخدمة المنطقة الصناعية. هذا التزايد في النشاطات في الشاطئ الجنوبي سيكون في تناقض تام مع القيمة المقدرة للسياحة بالإضافة إلى مشروع نقل الميناء. هذه المنافسة الثلاثية على شريط قصير من الساحل سوف تضع ضغطا هائلا على البيئة. في بلدة العقبة نفسها سوف يتركز التطور على الكورنيش وهو طريق مشاة متواصل متاخم للشاطئ. الكورنيش في منطقة الميناء الحالية سوف يضم مجتمعا سياحيا جديدا يعتمد على البرك الداخلية وفنادق شاطئية ومنطقة سياحية عامة. هذه المنطقة سوف تشهد الكثير من التغيرات وتأثيرات شديدة على البيئة مع بناء البرك الداخلية والمجمعات السياحية الجديدة والتي سوف تضمن زخما كبيرا من السياح يمكن أن يتجاوز القدرة الإستيعابية للنظام البيئي الساحلي والذي يعاني أصلا من تدفق مياه البحر إلى المياه الجوفية العذبة وتراكم النفايات الصلبة.
الجمعة, 09 نوفمبر, 2007
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










