مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

حول محطة "الخربة السمراء"...المواطنون يفتحون النوافذ بعد 20 عاما

العرب اليوم - محمد ابو عريضة

لم يجد يوسف طريقا امامه يسلكها, بعد ما سُدت في وجهه كافة السبل الاخرى سوى الارتحال عن "الخربة السمرا" والبحث عن دار يستأجرها في الزرقاء او عمان, خاصة وان هذا الخيار يتناسب موضوعيا مع شروط عمله ويوفر عليه مشقة السفر كل يوم من "الخربة السمرا" الى عمان وبالعكس.

وحكاية يوسف تشبه الى حد بعيد حكايةالمكان الذي ولد فيه وترعرع بين جنباته, وفيه تلمس اول دربه بالحياة واستكمل ادراكه بما يجري حوله, حينما اخذ الزغب الاسود الناعم يكسي عارضي الفتى وما ان جاءت "البشارة" الى اهل البلد "الخربة السمرا" وقالت بأن يوسف نجح في التوجيهي بمعدل ممتاز يؤهله بسهولة لدخول كلية الهندسة من دون "وسايط" وفقا لتعبير والدته حين ذاك, حتى بدأت معاول يحملها عمال وآليات يقودها رجال يضعون على رؤوسهم "خوذات" غريبة الشكل والالوان تعمل بالقرب من "المكان".

و"الخربة السمرا" كانت حينذاك - في النصف الاول من ثمانينيات القرن الماضي - قرية صغيرة منسية من مئات قرى قرينه لها تنتشر في المساحة الواقعة ما بين الزرقاء من الجنوب الغربي الى المفرق في الشمال الشرقي, ومن حدود جرش الشرقية والشرقية الجنوبية الى حدود اربد والرمثا الشرقية وهي القرية التي تقطنها عشائر بني حسن, تحولت هذه القرية "الخربة السمرا" في عام 1985 من واقع منسي الى قرية مشهورة, الكل يعرفها ولكنه يخشاها وحينما يشير اليها فانه احيانا يتطير من ذكر اسمها الصريح, وكأنها اصبحت لعنة على سكانها وعلى من يمرون بها او بالقرب منها.

والغريب كما يقول احد سكانها محمد الزيود, "انه كلما زاد صيت قريتنا زادت بلوتنا" ويفسر ذلك بقوله ان الناس قبل انشاء محطة "الخربة السمرا" لتنقية المياه العادمة كانوا يعيشون فيها حياة بسيطة متواضعة.

جُل أرباب الاسر كانوا حينذاك اما من المتقاعدين العسكريين او لا زالوا في الخدمة واكثر أمنية كانت تخطر على بال احدهم ان يشاهد احد ابنائه وقد اصبح ضابطا او دخل في الجامعة وتخرج منها واصبح "موظف دولي".

ولان اهالي المنطقة - عشائر بني حسن - من البادية, فان تربية الماشية والابل كانت المهنة الاساسية لاجدادهم ومع ان الابناء والاحفاد قد تراجعوا رويدا رويدا في اهتماماتهم بشؤون الرعي واخذوا يستقرون في بيوت اسمنتية معظم ايام العام, ويغيروا بالتدريج في سبل عيشهم لجهة التخلي عن الماشية والابل, الا ان مشهد "الخربة السمرا" كان إبان دخول محطة التنقية الخدمة اقرب الى "القرية البدوية" المنشأة على سيف البادية المتناغمة مع شروط واقعها الاجتماعي اكثر منها قرية ريفية او تجمعا موسميا مؤقتا للبدو الرحل.

وبالعودة الى حكاية يوسف الذي تخرج مهندسا من جامعة رسمية واشتغل في عمان واخذ يسري من الفجر ليصل الى عمله في عمان قبل الساعة الثامنة صباحا, خاصة وان "الوصول" من "الخربة السمرا" الى مكان العمل في عمان يتطلب تغيير وسيلة المواصلات مرات ثلاث, اولها من "الخربة" الى الزرقاء وثانيها من الزرقاء الى العبدلي وثالثها من العبدلي الى الشميساني وما ان اخذت الدنانير تملأ جيوبه حتى بدأت "ام يوسف" تفكر في الخطوة التالية, وهي الزواج ولان الامر فيه بعد اجتماعي فان "العرب اليوم" ستقفز عن التفاصيل.

المهم في الامر ان يوسف لم يعد قادرا على الاستمرار بالسكن في "الخربة السمرا",  ومع ان والده قد بنى له بيتا جميلا ليسكنه هو وعروسه "العمّانية" الا انه لم يتمكن من تنفيذ رغبة والده لان عروسه غير قادرة على العيش وسط رائحة المياه العادمة كل الوقت.

"الخربة السمرا" ... ذاكرة المكان

لسان حال "المكان" او "الخربة السمرا" لو قدر للمكان ان يتكلم كما يقول م. يوسف ظل منذ عام 1985 ينادي ويستنجد بالحكومة لتخلصه من رائحته النتنه, حتى ان "المكان" من كثرة ما اصبح الناس يشتمونه - يسبونه - كلما مروا قربه واشتموا الروائح الكريهة المنبعثة من "المشروع" اخذ يبحث له عن اسم آخر ينادى به.

و"الخربة السمرا" المكان تاريخي فيه آثار وقبور قديمة, وتنشط في المنطقة بعثات اوروبية للبحث عن الآثار فيها, وهي تبعد عن عمان بحدود 40 كيلو مترا, وتقع بأرض منخفضة شأنها شأن كل المناطق المحاذية لحوض "الزرقاء", الامر الذي يجعل امكانية الاستفادة من ميزة الانخفاض في زراعة الحمضيات بعد استكمال مشروع "الخربة السمرا" الجديد وفقا لما يقوله مدير مشاريع ال¯ "Pmu" في وزارة المياه والري م. محمد النجار,  و ال¯ "Pmu" هي وحدة الادارة والتخطيط التابعة لوزارة المياه والمعنية بالشراكة مع القطاع الخاص في قطاع المياه.

محطة التنقية الاولى

يقول م. النجار بان شروطا عديدة وظروفا خاصة اجتمعت لتحيل مشروع محطة التنقية في "الخربة السمرا" المؤقتة, بوصفها جزءاً من خطة شمولية لصرف صحي حوض عمان الزرقاء الى محطة دائمة فالخطة حينذاك كانت تقضي بانشاء محطة "الخربة السمرا" وتوسيع محطة "عين غزال" وبناء محطة في "وادي عبدون" واخرى في وادي الزرقاء وبالنظر الى عناصر هذه الخطة حسب النجار فان الطاقة الاستيعابية لمحطة "الخربة السمرا" بواقع 68 ألف متر مكعب من المياه العادمة في اليوم كان امرا طبيعيا ومعقولا.

شهد عام 1988 اكثر من متغير ابرزها الازمة الاقتصادية فاضطرت الحكومة حينذاك الى الغاء عدد من المشاريع وكانت باقي عناصر خطة صرف صحي حوض عمان الزرقاء جزءا من المشاريع التي الغيت. وقد لا يكون السبب الاقتصادي التمويلي وفقا للنجار هو السبب الرئيسي الوحيد لخطوة الالغاء فأسباب اخرى بيئية واجتماعية وصحية اخذ المسؤولون يعتبرونها مبررات كافية لتلك الخطوة, واذ ب¯ الخربة السمرا كمحطة معالجة المياه العادمة بطاقة انتاجية 68 ألف متر مكعب في اليوم تتحول الى قضية وطنية, استغرق الاردنيون في النقاش والبحث حولها بحدود العقدين من الزمن, قبل ان يشرعوا الان لاستقبال "الخربة السمرا" بحلتها الجديدة.

واقع "المحطة" الان

المحطة هي محطة تنقية "الخربة السمرا" التي يصلها الان من المخلفات الانسانية والصناعية وغيرها بحدود 220 الف متر مكعب في اليوم على شكل مياه عادمة عبر خطي نقل, قطر الاول الذي يخرج من محطة "عين غزال, ويصل الى "الخربة السمرا" مباشرة 1500 ملم بطول 34 كيلومترا, وخط آخر يمر بعد خروجه من "عين غزال" بالرصيفة والزرقاء, بقطر 1200 ملم وطول 38 كيلومترا, وهذان الخطان "1500ملم, 1200ملم" الممتدان هذه المسافة تحت الارض, يخدمان الان 70% من سكان عمان, بالاضافة الى سكان الزرقاء والرصيفة, اي بحدود 2.3 مليون نسمة, الاول منهما "1500ملم" بامكانه الاستمرار في خدمة سكان عمان الى عام ,2030 واما الثاني فانه من المفترض حسب الخطط الاستراتيجية لسلطة المياه ان يتم اخراج "محطة الرفع" لغرب وشرق الزرقاء من الخدمة بحلول عام ,2010 ليصار الى انشاء محطة تنقية في وادي الزرقاء لخدمة محافظة الزرقاء, وبالتالي تصبح محطة "الخربة السمرا" بالكامل في خدمة سكان عمان.

ولان الظروف التي اطبقت على الاردن في نهاية ثمانينات القرن الماضي قد فرضت شروطها, فان محطة "الخربة السمرا" بجهود بشرية جبارة تمكنت من الاستمرار في استقبال المياه العادمة بكميات تفوق قدرتها, مما دفع باتجاه اتخاذ تدابير اضافية في منطقة المحطة, وبعدها للحيلولة دون حدوث اضرار, ف¯ "المحطة" التي يفترض ان تعالج بالطريقة الطبيعية 68 الف متر مكعب في اليوم من المياه العادمة, اضطرت لاختصار الوقت المطلوب في المعالجة, والغاء بعض مراحل المعالجة لتقوم بمعالجة جزئية لحامل كمية المياه العادمة التي تصلها.

وحرصت الحكومات المتعاقبة طوال السنوات الماضية على تقييد المزارعين في حوض الزرقاء, والزامهم باستخدام المياه الخارجة من محطة "الخربة السمرا" لري المزروعات الخاصة بالماشية والاغنام, بالاضافة الى الاشجار, علما بان المياه التي تخرج من سد الملك طلال وفقا للمهندس النجار هي مياه صالحة لري كافة انواع المزروعات, فعلى الرغم من ان ملوحتها مرتفعة نوعا ما بالمقارنة مع المياه العذبة الا انها مياه قابلة لري كافة اصناف المزروعات, ومطابقة لمواصفة مياه الري المعتمدة, لان المياه التي تعالج بشكل جزئي في "الخربة السمرا" تخضع في الطريق حتى تصل الى سد الملك طلال لعوامل كثيرة, الامر الذي يجعلها تتخلص من جزء كبير من العناصر الضارة فيها عبر اختلاط "مياه السيل" بمياه عذبة من الامطار او الينابيع, بالاضافة الى عوامل طبيعية اخرى, فالمتنبي يقول:

اني ارى وقوف الماء يفسده

فان سار طاب وان لم يجر لم يطب

والسكان يتكلمون..!!

الرائحة المنبعثة اصبحت جزءا من ثقافة الافراد, فالطفل الذي ولد في الخربة "السمرا" او المنطقة المحيطة التي يقطنها بحدود 30 الف نسمة لم يعد يشتم رائحة اخرى غير تلك التي تجذرت في ذاكرته ومع ذلك فان الامر لا يقتصر على الرائحة كما يقول سكان تلك المنطقة.

سليمان المشاقبة يصف حالة السكان بالكارثية, انهم يعانون من امراض التحسس, والجيوب والاسهالات على مدار العام, واما الجوانب الاخرى الاجتماعية او الاقتصادية, فحدث ولا حرج وفقا لعلي الزيود, فالمرء حينما يرغب في دعوة صديق له الى بيته, واكرامه فانه يكون بذلك قد توافق مع المألوف, ولا خلاف على ذلك, ولكن الناس يصفون الذين لا "يطب" باب بيتهم قدم غريبة بالبخلاء, وسكان الخربة السمرا لم يعودوا قادرين على استقبال الضيوف مع انهم ليسوا بخلاء.

ويسكن "الخربة السمرا" الان بحدود الفي نسمه, وهم من تبقى من اهلها, فمن تتاح له فرصة للهرب فانه لا يتردد بالمطلق خاصة وان الاراضي التي غيرت من مصير عشرات آلاف الاسر الاردنية بعد ان اصبح سعرها مرتفعا, لم تسعف اهالي الخربة السمرا, فالاراضي فيها ما زالت, على حالها ولم يطرأ عليها اي تغيير, فلا احد يسأل عن سعرها.

واخطر ما طرأ على سكان "الخربة السمرا" والمناطق المحيطة-محيط تأثير الروائح الكريهة حسب رأي احد الجامعيين من سكان المنطقة -المزاج الحاد للناس في تلك المنطقة, فوفقا له واستنادا الى كلام كبار السن فان العقدين الماضيين قد غيرا من المزاج العام لهؤلاء السكان, ففي كل المجتمعات يتوزع الناس ما بين حدين بالنسبة للمزاج, نسبة متواضعة بمزاج حاد ونسبة اخرى بسيطة بمزاج رائق, والاغلبية في المنطقة المتوسطة, ولكن في "الخربة السمرا" والمنطقة المحيطة فان المزاج العام للناس حاد جدا الامر الذي يستدعي من الجهات العلمية اعمال الفكر, والبحث في اسبابه ومحاولة معالجته.

شركة مصنع السمرا..

جاء الخلاص!... فمنذ سنوات بدأت الحكومات تبحث عن حل لهذه المعضلة, ولا سيما ان الاردن اخذ يصنع لنفسه صورة جديدة تتناسب مع العصر, خاصة في البعد المتعلق بالبيئة, وجاءت محصلة المداولات والجهود بنتائج يبدو بانها ستكون طيبة جدا حسب قول م. النجار.

مشروع تطوير محطة "الخربة السمرا" عبر انشاء محطة تنقية بآلية ال¯ "BOT" وهي آلية البناء والتشغيل والنقل, اي ان تقوم جهة من القطاع الخاص بتنفيذ المشروع, وتشغيله لمدة محدودة من الزمن ومن ثم اعادته الى سلطة المياه و "المشروع" الذي بدأ تنفيذه في بداية عام ,2004 بكلفة 170 مليون دولار, تم الحصول عليها من الحكومة مبلغ 14 مليون دولار, ومن الوكالة الامريكية للانماء الدولي 78 مليون دولار, والمبلغ المتبقي 78 مليون دولار هي مساهمة القطاع الخاص الاجنبي, الذي اسس شركة اردنية من شركة "سويز" الفرنسية بحصة 20% وشركة "ديغرامونت" الامريكية بحصة 3% وشركة "مورجانتي" الامريكية بحصة 50% علما بان مساهمة الائتلاف يقسم الى جزئين, 45 مليون دولار قروض محلية من بنوك ومؤسسات مالية بقيادة البنك العربي, 335 مليون دولار هي مساهمة الشركات الاجنبية الثلاث, التي ستدير المشروع مقابل رسم تتقاضاه عن كل متر مكعب من المياه العادمة التي تعالجها لمدة 25 عاما من ضمنها ثلاث سنوات فترة الانشاء.

وحسب م. النجار فان المشروع الجديد الذي يعمل وفقا للالية الميكانيكية سيخلص المنطقة بالمطلق من الروائح الكريهة, وستتحول المياه فيها الى مياه صالحة 100% لكل انواع الزراعة, وبذلك فان حوض الزرقاء سيعود الى سابق عهده قبل ثلاثين عاما او اكثر.

وستتحول الاحواض في المنطقة الى شبه بحيرة تستقبل الطيور المهاجرة, وهذا الامر وفقا للمهندس النجار دفع باتجاه التفكير لتحويل كامل المساحة المملوكة لسلطة المياه في منطقة "الخربة السمرا" وهي احد عشر الف دونم الى محمية طبيعية, والحصول على تمويل مناسب لها.

مشروع بيئي متكامل

والمشروع الجديد متكامل بيئيا , فالمياه المعالجة لري المزروعات, واما "الحمأة" وهي المادة الصلبة المتبقية فان ادارة المشروع ستضعها في احواض لتجميعها ومن ثم زراعة اعلاف عليها لمدة اربع سنوات, ومن ثم يتم خلط جذور البنات مع "الحمأة" وتحويل الخليط الى سماد ومحسنات للتربة.

واما الغاز الناتج عن عملية معالجة المياه في المحطة بالطريقة الميكانيكية حسب م. النجار فانه سيستخدم في انتاج طاقة كهربائية كما سيتم استثمار ارتفاع منسوب "محطة عين غزال" عن محطة "الخربة السمرا" بحدود 100 متر, عبر وضع مولدات كهربائية لانتاج الطاقة, وكذلك الحال بالنسبة للمياه عند مخرج محطة "الخربة السمرا" المرتفعة بحدود 45 مترا, وبذلك فان مجموع كمية الطاقة الكهربائية ستوفر بحدود 90% من حاجة المحطة من الطاقة وهذا يتناسب مع السياسة الحكومية في شأن استخدام الطاقة المتجددة لانتاج الكهرباء.

وغالبا ما ستبدأ ادارة الشركة في شهر ايار المقبل بتشغيل المحطة لفترة تجريبية الى حين دخولها الخدمة في شهر ايلول المقبل.

 


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية