مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

بينالي الشارقة يركز على "الفن والبيئة وسياسات التغيير

في بادرة فريدة للدمج ما بين الفن وحماية البيئة جاء بينالي الشارقة لهذا اليوم ليركز على العلاقة بين الفن والبيئة وسياسات التغيير. هذه المقالة من حكيم عنكر نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية

 

يقدم بينالي الشارقة للفنون في دورته الثامنة مقترحات شديدة الجرأة انطلاقاً من موضوعته “الفن والبيئة وسياسات التغيير” وهي موضوعة متداخلة وتحمل في أحشائها الكثير من العناصر التي تجعلها تتأسس باعتبارها خطاباً معيارياً مباشراً يتحكم بصياغة المنظورات الفنية للفنانين المشاركين.

ويبرز هذا الأمر بشكل واضح في المقترحات التي قدمها الفنانون المشاركون في هذه التظاهرة الفنية الدولية، والتي تسعى إلى استقصاء تجليات الموضوع البيئي في أعمالهم ومدى حدة هذا الحضور داخل كل مجال جغرافي على حدة.

من الطبيعي جدا أن يحصل تفاوت في طبيعة تمثل الموضوع البيئي فنياً وجمالياً من فنان إلى آخر، وفي أعمال البينالي يكتسي العمل الفني طابع التعليق ويخرج من الحياد إلى تبني دوائر اقتراحية أو تحريضية، مقترباً من بلاغة الخطاب الاجتماعي وحاملا لمحمولات اجتماعية وثقافية وسياسية، تكرس الموضوع البيئي باعتباره أولوية الأولويات، لأنه مرتبط ب”سيروم” الحياة، من بدون بيئة “نظيفة” كما تقول الإعلانات التلفزيونية، لا يمكن أن نتنفس او نرى أو نشم أو نفكر أو نتواصل من دون أن يكون “المجال” الذي نحيا فيه صحياً، وان تكون الممارسات التي ننتجها حيال أنفسنا وحيال الآخرين على قدر كبير من الاستقامة، ومن دون ان نكون في منجاة من الصخب الكبير ومن كسارات الأحجار ومن المداخن العالية التي تنفث السموم، والأكثر من ذلك من الحروب ومن القنابل العنقودية التي تشكل مهلكة للبشر والحجر.

من اللافت للانتباه أن الأعمال المقدمة تتفاوت بحسب الانتماء الجغرافي للفنان، وهذا لا يعني التأثر المباشر بالقضايا البيئية للبلدان التي يعيش فيها هؤلاء الفنانون، ففي منطقة الخليج العربي، يقدم الفنان الخليجي أعمالا تقترب من مجاله الجغرافي وتندرج ضمن ترسانة المشاكل التي يعيشها، مشاكل “التلوث “ البيئي الذي يزحف على نقاء الصحراء، وتحول هذه البلدان المنتجة لأغلى ثروة في العالم وهي الثروة النفطية إلى “مكب للنفايات” وإلى استغلال فظيع من قبل شركات النفط لهذا المورد الطبيعي، دون مراعاة لشروط التوازن البيئي مما نتجت عنه الكثير من المظاهر البيئية المستجدة: الأمراض، الأوبئة، اختفاء الكثير من مفردات المجال الطبيعي، تحول المناخ إلى كائن أحمق، وهذا ينعكس بشكل آلي على الإنسان، ويتجلى ذلك في ظهور الكثير من الأمراض العصبية والنفسية ومن حالات الاختلال البيولوجي على المواليد الجدد، وليس أقلها، تزايد حالات المواليد الخدج.

ويرتبط موضوع البيئة بالسياسة لكون الأمر يتجاوز الحديث عن “البيئة الصحية” إلى الاختيارات الحكومية وإلى مدى نجاعة التخطيط في العالم العربي وفي دول العالم الثالث للمدينة، وهل تشكل هذه المدينة مجالا تتوفر فيه كافة شروط الحياة؟ ثم ما خطورة الاختيارات الاقتصادية من خلال فتح الباب أمام الشركات العابرة للقارات من أجل الاستثمار في الصناعات الثقيلة أو التحويلية من دون فرض “دفتر تحملات” كفيل بالانتباه إلى الأضرار التي تخلفها تلك المصانع الهاربة من أوروبا إلى افريقيا وآسيا بسبب الحركة البيئية العالمية “حركة الخضر” النشيطة في هذه البلدان والتي تحولت مع مرور الوقت إلى حركات ذات طابع سياسي واجتماعي لها سقفها المطلبي العالي.

لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يتخذ البينالي في صدر شعاره صورة دالة في التعبير على ضرورة تجاوز ما هو حاصل، وهذه الصورة هي عبارة عن رأس حفارة كبيرة مرفوعة إلى الأعلى على أهبة الاستعداد للانغراس في الأرض، وكأن هذه الصورة تريد أن توصلنا خطابا مفاده أنه لإحداث تغيير في موضوع البيئة لا بد من الاعتماد على القوة الناجعة وعلى الطاقة المتواصلة في العمل لخلخلة الأمر القائم.

وإذا كانت الأعمال التي يقترحها الفنانون الخليجيون تركز على الموضوعات ذات الطابع المحلي فإن بعض المقترحات الجمالية حاولت أن تركز على الإنساني وعلى ما يشكل الهم المشترك.

ففي عمل له يقدم هنريك هاكنسون  عمل فيديو قام على أساس رصد مظاهر الدورة الطبيعية في العالم الطبيعي، وكأنه يريد أن يقول إنه في حالة اي اختلال في نظام هذه الدورة الطبيعية وتوازنها فإن الكارثة ستحل.

من الطبيعي أن يعمد الفن أحيانا إلى تأكيد حقائق علمية أو إلى التعامل معها، ولكنه لا يقف عند هذه الحدود، بل يتجاوزها إلى تدشين خطاب ثقافي واجتماعي يذهب إلى أنه علينا ألا نكتفي بمراقبة الأشياء وتوثيقها بل يجب أن نتدخل من أجل تغييرها.

في عملها المعنون ب “شكل غير منتظم” تدشن الفنانة ديبورا ليجوريو نوعا من الخطاب الثقافي عن التغير وعدم الوضوح من خلال لعبة العرض، مركزة على موضوع البيئة.

ولسوف نجد العديد من الفنانين العرب والفنانات الذين يعيشون في أوروبا قد ابتعدوا شيئا ما عن الموضوعات المحلية لبلدانهم كي ينخرطوا ضمن مناخ الخطاب الإنساني الشامل الذي يؤكد أن أي تهديد للمجال الطبيعي هو تهديد لكوكب الأرض ككل.

وهذا على الاقل ما تفعله مجموعة “ماند بومب” الرومانية التي كانت قد انخرطت في السابق ضمن حركة مناهضة العولمة وضمن تجمعات أحزاب الخضر، كما شاركت في الحركات الاحتجاجية ضد الكثير من المواد الضارة والتي تهدد النوع البشري، وفي بينالي الشارقة تقدم هذه المجموعة خمسة اعمال تسير في نفس النسق الاحتجاجي على شكل بوسترات، ومن بين هذه البوسترات، بوستر لدبابة شرسة، لا يحتاج المشاهد إلى كبير خبرة من أجل اكتشاف الموقف المناهض للحروب المتسرب من أعماق هذه الصورة.

ويتسيد موضوع الأرض الكثير من الأعمال المعروضة في البينالي، مما يشير إلى أن البيئة ومعالجاتها تطغى على التصورات والاقتراحات الجمالية التي قدمها هؤلاء الفنانون باختلاف انتماءاتهم الجغرافية.

إن مشاكل الإنسان بسبب “عولمة الرأسمال” أصبحت هي نفسها في كل مكان، في أوروبا وفي أمريكا وفي آسيا وفي بقاع كثيرة من قارة افريقيا “العذراء”.

ومن المتوقع أن يحظى البينالي بنوع من التعاطف، رغم طليعية الكثير من التجارب المقدمة، لأنه يصب ضمن الهواجس المشتركة، وهي هواجس إنسانية سواء كانت في الشارقة أو في أي بلد آخر، فهناك حياة على الأرض يجب أن تصان، ويجب أن نمد لها ما يكفي من العناية وان نحميها من “الجشعين” الذين لا يفكرون إلا في الثروة.

وهذا يتطلب ليس فقط بيانات و بلاغات وتنظيمات مدنية، ولكن يحتاج إلى فنه “الخاص” وإلى تدبيج الجمال الذي يوثق لمرور الإنسان على هذا الكوكب الضاج بالحروب.

تقول كلمة الشيخة حور القاسمي في هذا الإطار: “الحلم هو المعنى الذي يحققه الإنسان وهو يطارد إلماحاته في اليقظة والغياب”.

الحلم هو المحرك الذي جعل المبدعين يصوغون نشيدهم الأسطوري عن الارض، وهم ينوسون بين شفافية الصورة المتخيلة وقسوة الواقع.

الحلم الذي يشدنا إلى أمنا الأرض، ويضعنا على تخوم الكون كي نتوحد مع إيقاعه الكلي.

الحلم بأرض آمنة تتسع لنا وللأجيال القادمة التي ستعمر الأرض بماء الحلم.

والحلم هو ما يدفعنا في هذه الدورة من بينالي الشارقة، لأن نطالب الإنسان في الأصقاع كلها برفع يد القسوة عن ظاهر الارض وباطنها، فقد أوشكت أن تزفر الغضب الذي يحتبس في عروقها، وان تفرغ حممها في وجه الإنسان الذي تمادى في استنزافها، بعد أن أشعنا الاضطراب في مجالنا الحيوي وفي بيئتنا التي أعطتنا دون حد، احتضنتنا فانقلبنا عليها”.

هذه الكلمة الدالة التي اقتطعنا منها هذا المقطع، تلخص التوجه العام لهذه الدورة التي تقرع أجراس الخطر أمام الطوفان القادم الذي يتهدد الارض، هذه الأرض التي تتعرض يومياً إلى جراحات بليغة وإلى حالات من التشوه يصعب معها ردم الهوة وتدارك الخطر الماحق.

يقول فيليكس غوتاري: “الآن وأكثر من اي وقت مضى لا يمكن فصل الطبيعة عن الثقافة، ولاستيعاب التفاعلات بين النظم البيئية والميكانيك الكوني والعوالم الاجتماعية والفردية للإحالات والإشارات، علينا أن نتعلم كيف نفكر بطريقة “كلية” وتماما كما تغزو الطحالب الوحشية والمشوهة للمياه النقية، كذلك تغزو الشاشات تلفزاتنا وتغرقها في البيانات “المنحطة”.

تتقدم أعمال البينالي إلى جمهورها، وتحاوره، وربما تمسك بلبه هو الخائف من “التورط” في تبعات الدفاع عن الأرض، إن هذا الثمن هو مكلف حتى إلى من يظنون أن المسألة لا تتعدى أن تكون رفاهية لا اقل ولا أكثر، رفاهية خطابات تحب أن تعيش في الظل.

لكن أليس الخطاب البيئي اليوم يندرج ضمن “صلب الموضوع”، أليس الشجرة التي تخفي الغابة والممر الحقيقي إلى طرح القضايا الإشكالية ومنها على وجه التحديد: الحروب والمجاعات والفضاعات التي ترتكب في هذا “الكوكب الأخضر” المشتعل.

في الوقت الذي تمضي فيه العولمة المتوحشة إلى مزيد من الاستحواذ على المورد البشري والطبيعي.

 

 


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية