مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

عندما تصبح المدن قنابل موقوتة داخل الدول النامية

باتر محمد علي وردم

 
للمرة الأولى في تاريخ الحضارة البشرية، سوف يتجاوز عدد سكان المدن في العالم عدد سكان الريف في منتصف العام الحالي. هذه التطورت لا يمكن إعتبارها نزعة نحو المزيد من التحضر والتنمية إذ أن نسبة عالية جدا من سكان المدن وخاصة في الدول النامية يعانون أوضاعا معيشية سيئة جدا ويواجهون تهديدات الفقر والتلوث والعنف يوميا مما قد ينعكس على المزيد من التوتر الأمني والسياسي والثورات الشعبية في المجتمعات الفقيرة خلال السنوات القادمة.

من بين حوالي 3 بليون شخص يعيشون في المدن في العالم حاليا هناك حوالي بليون يعيشون في مناطق فقيرة لا تصل إليها الخدمات الرئيسية مثل المياه النظيفة أو الصرف الصحي أو المساكن الثابتة والتي تحمي قاطنيها من التأثيرات الطبيعية الخارجية، كما يموت حوالي 1,6 مليون شخص يوميا في "مدن الصفيح" بسبب إنعدام الخدمات الصحية المنسبة. وبالنسبة للأطفال الذين يعيشون في هذه المدن فإن العنف والمرض والجوع والعطش هي الحالات اليومية التقليدية أما التعليم والصحة والدفء فهي طموحات بعيدة المدى في غالبية الأحيان.

أكثر القارات تعرضا لمشاكل الفقر في المدن هي إفريقيا والتي تضم 350 مليون فقير في المدن وهذا أكبر من مجموع عدد سكان الولايات المتحدة وكندا كما أن حوالي 88% من الزيادة السكانية المتوقعة خلال السنوات العشرين القادمة ستكون في المدن وهذا يعني إنفجارا حقيقيا للأوضاع الأمنية والاقتصادية. حوالي نصف سكان المدن في إفريقيا وآسيا يفتقرون إلى المياه النظيفة والصرف الصحي ويعانون كل أنواع الأمراض المرتبطة بتلوث المياه ومعظمها يسبب الوفاة بسبب عدم وجود رعاية صحية كافية. وهذه المأساة واضحة في حقيقة أن مليون طفل في العالم يموتون سنويا بسبب أمراض الإسهال التي يمكن السيطرة عليها بالمياه النظيفة. ومما يزيد من المشاكل التي تتعرض لها المدن تعرضها المستمر للكوارث الطبيعية حيث أن ثمانية من أصل أكبر 10 مدن في العالم تقع في مناطق زلازل، وست من أصل أكبر عشرة معرضة للفيضانات.

كل هذه الحقائق المفزعة تؤكد بأن نوعية الحياة في المدن في الدول النامية تسير نحو الهاوية وخاصة في ظل تراجع الإنفاق الرأسمالي من الدولة على الخدمات المقدمة لسكان المدن بسبب برامج التخاصية، وهذا يعني تزايد احتمالات الإنفجارات الشعبية وما يترتب عليه من تأثيرات أمنية قد تصل أحيانا إلى مستوى تهيئة الظروف لإنقلابات أو صراعات أهلية بين الفقراء والأغنياء خاصة مع التباين الواضح في الدخل والفروقات في التمتع بالخدمات بين سكان المدن.

في العالم العربي تبدو مشاكل المدن متشابهة إلى حد كبير بالدول النامية الأخرى باستثناء دول الخليج والتي تتمتع بإزدهار اقتصادي ينعكس على تحسن مستوى الخدمات في مدن الخليج الجاذبة للسكان والنشاط الاقتصادي. أما في المدن العربية الرئيسية الأخرى مثل القاهرة ودمشق وبيروت والرباط والجزائر وعمان فإن أعراض المشاكل التي تعاني منها المدن النامية بشكل سريع وعشوائي واضحة وإن كانت لم تصل بعد إلى مستوى قريب من الكارثة مثل مدن إفريقيا وآسيا، وهذا ما يتطلب تطوير سياسات حديثة لإدارة المدن العربية والمزيد من الاستثمار في البنية التحتية وربما أيضا جهدا أكبر في خفض معدلات النمو السكاني والهجرة إلى المدن سواء من الريف أو من النزاعات العسكرية في الدول المجاورة. ولكن من الواضح أن زيادة معدلات الفقر وفقدان القدرة على التمتع بالخدمات الكافية يجعل ملايين سكان المدن في العالم العربي يشعرون بإغتراب عن المجتمع وإحساسا بالخذلان من الدولة وهذا قد يكون بؤرة مناسبة لتطور الأفكار المتطرفة والرافضة للمحيط الخارجي والتي تظهر في أعمال عنف موجهة للداخل.

 


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية