مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

الإعلام البيئي في الأردن وتحديات ثورة المعلومات

مقالة بقلم: باتر وردم

 

مبادئ ومجالات الإعلام البيئي:

يطلق على المؤسسة الإعلامية وبخاصة الصحافة مصطلح " السلطة الرابعة" وذلك لبيان مدى أهميتها في المجتمع. ومن أهم الأسباب التي دعت لإطلاق هذا المصطلح هو أنها تساهم بقدر كبير في تشكيل الرأي العام في المجتمعات الديمقراطية وفي هذا الإطار فإن الإعلام هو الجهة التي تقدم المعلومة والخبر الصحيح وتحلله وتوصله إلى المواطن ضمن المعايير المطلوبة من المصداقية والمهنية والدقة. وقد زادت أهمية الإعلام من حيث كونه الوسيلة المباشرة لإيصال المعلومات مع بروز الوجه المستقبلي لمجتمع القرن الحادي والعشرين وهو مجتمع المعلومات حيث تلعب القدرة على خلق المعرفة، والوصول إليها وتفسيرها ونقلها والتعامل الخلاق معها الشروط الأساسية لنجاح أي مجتمع في امتحان الحضارة الجديدة. ولا شك أن من بين أهم العناصر المميزة للحضارة الحديثة هو دور حماية البيئة والتنمية المستدامة مما يعظم من أهمية الإعلام البيئي كوسيلة لنقل المعرفة البيئية، وهو تطور مطرد في العالم المتقدم لكنه لا يزال موضوعا على هامش الاهتمام الإعلامي في الأردن.    

من الصعب تحديد هوية خاصة بالإعلام البيئي في الأردن مشابهة مثلا لهوية الإعلام السياسي أو الفني أو الاقتصادي. فالهوية الإعلامية تتطلب وجود بعض الشروط الأساسية لاعتبارها هوية مستقلة ومميزة، منها وجود مؤسسات إعلامية خاصة بها ووجود أنماط إعلامية احترافية خاصة تتعلق بكيفية تقديم الخبر والتحليل البيئي ومنها أيضا وجود إطار معرفي محدد للقضايا البيئية ووجود قاعدة من الإعلاميين المحترفين المتخصصين بشؤون البيئة والقدرة على التأثير على التوجهات العامة المتعلقة بالبيئة.  وكل هذه العوامل غير متوفرة في الأردن بعكس القطاعات الإعلامية الأخرى كالإعلام السياسي والفني والثقافي وحتى الإعلام الرياضي.

ومشكلة الإعلام البيئي في الأردن مرتبطة بشكل كبير بمشكلة الإعلام العلمي بشكل عام، والذي لا يجد له مكانة واضحة في الحياة الإعلامية المحلية، وبالرغم من كون العلم هو المحرك الرئيسي للحضارة الإنسانية في العصر الحديث فإن الاهتمام بالثقافة العلمية والإعلام العلمي في الأردن محدود جدا، ويقتصر على بعض البرامج والصفحات الصحية التي تقدم إرشادات حول الصحة العامة، وبطبيعة الحال هناك توجه إعلامي قوي تجاه تقنية المعلومات وهذا التوجه تساهم في تقويته أيضا الكثير من النواحي التسويقية والتجارية.

أن الحديث عن الإعلام البيئي في الأردن يبقى مرتبطا دائما ببرامج التوعية البيئية باعتبار أن الإعلام هو الأداة الأكثر فعالية في التوعية البيئية. ويمكن القول أن مرحلة التوعية البيئية في الأردن قد وصلت الآن إلى السنة الخامسة عشرة لها منذ أن بدأت في بداية التسعينات من القرن الماضي بإنشاء منظمات المجتمع المدني المهتمة بالبيئة والتي قامت بلعب دور كبير جدا في التوعية والإعلام البيئي وشكلت النواة الأولى لموجة الوعي البيئي المحلي، وربما حان الآن وقت تقييم هذا العمل بشكل علمي وبناء على النتائج التي تحققت. 

 

المشاكل والمعيقات أمام الأعلام البيئي في الأردن:

يمكن تقسيم المشاكل التي تتعلق بالإعلام البيئي في الأردن إلى قسمين: مشاكل موضوعية عامة تواجه الإعلام الأردني بالمجمل ومنه الإعلام البيئي ومشاكل ذاتية خاصة بالإعلام البيئي ترتبط بالخصائص المميزة لهذا الإعلام:

 

                        ·          مشاكل إعلامية عامة:

1-  عدم وجود استراتيجية إعلامية حقيقية في الأردن وخصوصا لدى المؤسسات الإعلامية الكبرى المسيطرة والتي لا تضع البيئة ضمن أولوياتها كما أن تغطيتها الإعلامية بشكل عام لا تتبع أهدافا محددة بل يفرضها الحدث الإعلامي البارز.

2-   ضعف التخصصية الإعلامية والاحترافية لدى غالبية الإعلاميين في الأردن.

3-    ضعف الإلمام باللغة الإنجليزية وهي اللغة الرئيسية للقطاعات الإعلامية التقنية مثل البيئة.

4-  التكاليف المالية العالية لإصدار الصحف وارتفاع سعر الورق يجعل  من الصعب تكثيف إصدار صحف ووسائل إعلام مختصة بالبيئة كما يقلل من حصة البيئة بالمقارنة مع القطاعات الأخرى الأكثر جذبا للجمهور والمعلن معا.

5-   السيطرة الحكومية على معظم وسائل الإعلام الجماهيرية كالإذاعة والتلفزيون والتوجه نحو الإعلام الدعائي أكثر من الأعلام التحليل النقدي.

6-   عدم وجود وسائل علمية لقياس الرأي العام حول المواد الإعلامية وعدم الاهتمام برغبات الجمهور واعتقاد المسؤولين عن الإعلام بأن البيئة والعلوم بشكل عام ليست موادا ذات جاذبية إعلامية. 

7-   ضعف الإعلام الاستقصائي بشكل عام في الأردن حيث لا تعطى أهمية كبيرة للتحقيقات الصحفية أو الإعلامية الاستقصائية والتي قد تأخذ وقتا طويلا من الإعداد والبحث فالإعلامي الأردني يركز على الكم في التغطية الإعلامية ومتابعة ما هو مطلوب منه ولا يجد الوقت ولا الرغبة في القيام بتحقيقات استقصائية تستغرق منه وقتا طويلا وتحتاج لقدرة معينة على البحث العلمي.

8-   الإعلام الأردني الرسمي بشكل عام ( إذاعة وتلفزيون وصحف يومية خاضعة لتأثير حكومي) إعلام موجه ويقدم المعلومة الموجهة الدعائية والتبريرية ولا يأخذ بعين الاعتبار آراء الناس أو مواقفهم أما الإعلام غير الرسمي ( الصحافة الأسبوعية بخاصة)  فغالبا ما يأخذ دور الإعلام التهويلي  الباحث عن الإثارة أكثر من الحقيقة الفعلية.

 

                        ·          مشاكل تتعلق بالإعلام البيئي بشكل خاص:

1-  صعوبة وجود إعلاميين بيئيين متخصصين ملمين بقضايا البيئة وأطرها العلمية، فغالبية الإعلاميين الذين يغطون قضايا البيئة هم من خريجي الصحافة أو العلوم السياسية أو علم الاجتماع، كما هناك نقص في البيئيين أصحاب المهارات الاتصالية والإعلامية.

2-  ضعف أداء المنظمات غير الحكومية المعنية بالإعلام البيئي فمعظم هذه الجمعيات واجهات لأشخاص يستفيدون من برامج التمويل ولا يقومون بأداء إعلامي بيئي فعال، حتى من خلال أعضاء الهيئة العامة لهذه الجمعيات ومعظمها من غير الإعلاميين ولا حتى البيئيين.

3-   ضعف اهتمام المسؤول وصاحب القرار الإعلامي في المؤسسات الإعلامية بالبيئة واعتقادهم بعدم اعتبارها أولوية إعلامية استنادا إلى قناعات شخصية أو آراء تسويقية.

4-   عدم وجود أطار معرفي حقيقي للبيئة في وسائل الإعلام فمعظم الإعلاميين لا يعرف ما هي القطاعات المندرجة تحت البيئة ولا يستطيع تمييز مدى ارتباط العديد من القطاعات التنموية بقضايا البيئة.

5-   عدم وجود حوافز للإعلاميين البيئيين فمعظم من يغطي القضايا البيئية في وسائل الإعلام يعتبر وضعه الوظيفي المعنوي متدنيا بالمقارنة مع الذين يغطون السياسة والاقتصاد وحتى الرياضة فلا توجد قناعة ذاتية بأهمية الإعلام البيئي حتى لدى الإعلاميين أنفسهم.  

6-   ضعف الأداء الإعلامي لدى المنظمات غير الحكومية المهتمة بالبيئة وعدم وجود برامج إعلامية لديها أو المشاركة مع وسائل الإعلام إلا فيما ندر مع تراجع كفاءة العديد من هذه المنظمات خلال السنوات الأربع الماضية بالإضافة إلى  انعدام الدور الإعلامي البيئي للمؤسسات الحكومية إلا ضمن إطار الدعاية لإنجازات حقيقية أو مدعاة.

7-   عدم تحديد احتياجات الجمهور المستهدف من الإعلام البيئي وعدم وجود أهداف إعلامية استراتيجية لهذا الإعلام والتحرك فقط ضمن إطار رد الفعل.

8-   ضعف الإعداد التقني والعلمي للإعلاميين البيئيين وعدم وجود دورات تدريبية فعلية وعدم بناء قاعدة رئيسية للإعلاميين البيئيين حيث يتغير الإعلاميين المهتمين بالبيئة مع الوقت فينقطع بالتالي التسلسل التطوري للصقل العلمي للإعلاميين المهتمين بشؤون البيئة.

9-   وجود صعوبة تقنية لدى الإعلاميين في تبسيط المعلومات البيئية وتقديمها ضمن إطار سهل وجذاب للقراء مع  الاحتفاظ بأهمية ودقة المعلومة العلمية وعدم ربطها بالحياة العامة للقارئ وإيضاح تأثيراتها المباشرة.

10-    ضعف المحتوى التحليلي للخبر البيئي والاكتفاء بالأخبار الوصفية بدون التعمق في مضمونها وأهميتها.

11-    عدم الاستفادة من فرص التقنية المعلوماتية الحديثة في تطوير الإعلام البيئي لدى الإعلاميين أو وسائل الإعلام.

12-    عدم توفر الإحصاءات والأرقام والمعلومات البيئية بسهولة واضطرار معظم الإعلاميين لبذل الكثير من المشقة للحصول على هذه المعلومات وحتى بعض الحصول عيها يجدون صعوبة في تفسيرها وتحليلها.

 

كل هذه الصعوبات مجتمعة جعلت الأداء البيئي الإعلامي في الأردن ضعيفا وغير مبرمج ومعتمدا على أسلوب " الفزعات" لا الدراسة الاستراتيجية وتهديد أهداف فعلية متوخاة من الإعلام البيئي كوسيلة لتغيير التوجهات وأنماط السلوك والتوعية البيئية بالرغم من كل الجهود الأموال التي تم بذلها وإنفاقها خلال عشر سنوات من مسيرة التوعية البيئية في الأردن مما يحدد الحاجة إلى خطط وأهداف جديدة لمواجهة التحدي المعلوماتي والإعلامي في القرن الحادي والعشرين. 

 

 

أهداف تطوير الإعلام البيئي في الأردن في مواجهة تحديات ثورة المعلومات:

 

مع ثورة الاتصالات وتعقد آليات العمل الإعلامي وزيادة أهمية التوعية البيئية من الضروري إحداث تغيير نوعي في أهداف وأداء الإعلام البيئي في الأردن بما يتناسب مع التطور الكبير في هذا المجال عالميا والتأقلم مع متطلبات التنمية المستدامة والمد الكبير من المعلومات البيئية والتوسع الذي باتت تشهده المجالات البيئية حتى وصلت الآن إلى قضايا التجارة الحرة والاستهلاك وعلم النفس والاجتماع والمصادر الجديدة من التلوث.

 

ويمكن تحديد الهدف الرئيسي للإعلام البيئي خلال السنوات الخمس القادمة بالوصول إلى "حالة من الوعي البيئي لدى المواطن والمسؤول معا تسمح بتغيير أنماط الحياة والعادات المؤذية بيئيا والتعامل بإحساس من المسؤولية الفردية والجماعية تجاه البيئة وتطبيق مبادئ التنمية المستدامة ونشر المعرفة البيئية التقليدية والحديثة وجعلها في متناول الجميع".

أما الوسائل التي يمكن من خلالها الوصول إلى هذا الهدف عام 2010 فهي:

 

1-  التنسيق بين القطاعات المختلفة من مؤسسات عامة وأهلية وجامعات ومراكز بحثية لإيصال نتائج جهودها في مجال البيئة إلى وسائل الإعلام المختلفة ووجود خطة إعلامية بيئية لدى هذه المؤسسات.

2-   توعية أصحاب القرار في المؤسسات الإعلامية بأهمية الإعلام البيئي وتغطية القضايا البيئية في التنمية وتشجيعهم على اتخاذ قرارات تعطي الإعلام البيئي دورا أكبر في هذه المؤسسات.

 

3-  الوصول إلى الحد الأدنى من التخصص الإعلامي البيئي عن طريق خلق قاعدة من الإعلاميين المدربين بيئيا والمتخصصين حيث تمنح لهم الحوافز المعنوية والمادية وتتاح لهم فرص الإبداع في هذا المجال.

4-  تفعيل أداء المنظمات الأهلية المعنية بالإعلام البيئي وتنشيط العمل الجماعي فيها والخروج من حالة الفردية والشخصنة في عملها.

5-   تسهيل وصول الإعلامي إلى المعلومة البيئية عن طريق السماح له بالحصول على المعلومات والتقارير والأخبار البيئية بسهولة وتدريبه على كيفية استخراج هذه المعلومة من بين كم هائل من المعلومات الأخرى.

6-   تعظيم دور المشاركة الشعبية في الإعلام البيئي والنزول إلى الشارع لأخذ رأي الناس والتخلص من عقلية الإعلام الموجه والتلقيني.

7-   المضي قدما في إجراءات خصخصة وسائل الإعلام والتقليل من السيطرة الحكومية على الإعلام المحلي وربط ذلك مع التوعية البيئية للمسؤول الإعلامي.

8-   إنتاج برنامج تلفزيوني بيئي أسبوعي خاص وبرنامج إذاعي بيئي أسبوعي وإعداد صفحة بيئية يومية في الصحف المحلية وإصدار مجلات وصحف بيئية أسبوعية وشهرية وإنشاء مواقع إلكترونية خاصة بالخدمات الإعلامية البيئية. 

9-  التركيز في الإعلام البيئي على الربط بين قضايا البيئة والهموم اليومية للمواطنين والدمج بين البيئة والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

10-   التركيز على قصص النجاح وأفضل التجارب والتقنيات المتاحة لإثبات أن حماية البيئة جهد ممكن التحقيق وله مردود اقتصادي واجتماعي وثقافي وليس عبئا على الاقتصاد وطبائع الناس.       

 

 


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 يوليو, 2007 10:16 م , من قبل khawlahdr10
من الأردن


اشكرك على هذا الجهد استاذ باتر احطت به فاشملت جميع الجوانب...
موضوع جدا مهم..وهنا في الاردن نحتاج للكثير في هذا المجال وبالحاح ..وكما تفضلت منذ سنوات بدا العمل في هذا المجال في الاردن ولو انه خجولا..والناتج ليس مشجعا قط...ولازال الوعي البيئي محصورا في زوايا محددة على قلته ايضا..حتى في اهم ما لدينا واكثرها حساسية وهو القطاع المائي ..لا تشعر ان هناك استجابة ملموسة في المجتمع ..وقس على جميع الموارد والقطاعات البيئية لدينا ترى حاجتها للوعي البيئي واهتمامم الاعلام البيئي بها بشكل خاص ..لكن الواقع غير ذلك للاسباب التي ذكرتها..

قد وضعت يدك على (الجرح البيئي)..بشكل منطقي ..
والسؤال...هل من يسمع ويعمل.. !




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية