مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

لا مفر من دعم الطاقة المتجددة في الأردن لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

مقال: باتر محمد علي وردم

 

منذ وقت طويل مر في الذاكرة الأردنية لم يحظ إجتماع لمجلس الوزراء بأهمية كبيرة مثل ما حظي به الاجتماع الأخير، والذي نتج عنه قرار بعدم رفع أسعار المحروقات في هذه السنة كان تأثيره الأول استقالة وزير المالية الذي كان مصرا على الرفع. قرار عدم رفع أسعار المحروقات شكل مكسبا سياسيا للحكومة بعد فترة من توالي الأزمات السياسية والمعيشية وجاء بمثابة أنبوب أكسجين يمد الحكومة بالمزيد من اسباب البقاء، على الأقل إلى ما بعد تنظيم الانتخابات النيابية القادمة، ولكن القرار في البعد الاقتصادي ليس أكثر من "إبرة تخدير" للاقتصاد الأردني وهذا ما يجب أن نتذكره تماما حتى في خضم رضانا الشديد عن قرار عدم رفع الأسعار.

القرار جاء ذكيا جدا في البعد السياسي إذ منح الحكومة شعبية تساعدها في تنظيم الإنتخابات النيابية بعيدا عن الهاجس السلبي الذي كان سيكتنف الانتخابات من رفع أسعار المحروقات إلى خفض الدعم عن الأعلاف إلى مشاكل تلوث المياه والغذاء إلى تداعيات الإنتخابات البلدية، وهذا يعني أن الحكومة سوف "تخوض" الانتخابات النيابية في مناخ سياسي ملائم نسبيا ما لم تحدث مشكلة جديدة غير متوقعة خلال الشهرين القادمين.

في البعد الاقتصادي فإن القرار ساهم في ترحيل المشكلة وليس حلها وهذا ما يجب أن يبقى دائما في قناعاتنا لأن هذا المنطق سوف يعود مرة أخرى في العام القادم.

المهم الآن أن وزير المالية الجديد والحكومة كلها سوف تواجه استحقاقات التعامل مع عجز في الموازنة سوف يقفز إلى رقم بالعشرات، لأول مرة منذ الأزمة الاقتصادية في العام 1989  حيث يصل إلى 11,5% من دون المساعدات الخارجية. الحلول المطروحة تتمثل في مزيد من المساعدات المالية أو المنح النفطية ولكن الجميع يعلم أن المساعدات المالية بدأت تراجع منذ سنوات حيث أن الأردن لم يعد في دائرة أولويات الدول المانحة بسبب تقدمه على صعيد التنمية مع وجود رقم معلن للناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 7% وخروجه من قائمة الدول الفقيرة ونحن الآن نعتمد على المساعدات الأميركية والسعودية بالذات ولأسباب سياسية. أما بالنسبة للمنح النفطية فهي خارج نطاق التفكير فلن تقوم الدول الخليجية بمنحنا نفطا مجانيا أو باسعار تفضيلية خاصة مع زيادة أسعار النفط العالمية وسوء التعامل مع المنح النفطية السابقة، وقد غيرت دول الخليج دعمها للأردن إلى اسلوب الإستثمار المباشر في قطاعات مربحة مثل العقارات والسياحة. أما بالنسبة إلى تأمين السلامة الأمنية للحصول على نفط من العراق فهذا أمر يبدو بعيد المنال حتى في حال وجود أـفاقيات مكتوبة على الورق.

لا مهرب من الخيارات الصعبة سواء الآن أو بعد الأنتخابات أو في بداية الصيف القادم وبدون الترشيد في استخدام الطاقة والبحث عن الطاقة البديلة والمتجددة، والتي تواجه مشاكل كثيرة حتى في حالة الغاز الطبيعي مع مصر فإن الخيارات قليلة جدا. أهم هذه الخيارات هو رفع الدعم عن الأثرياء وتوجيه الدعم لمستحقيه من الفقراء وهذا ما يتطلب تغييرا جذريا وجوهريا في آلية الدعم بحيث يتم توجيهها بدقة نحو الفئات الأكثر حاجة لها ونحن هنا نتحدث عن المحروقات والأعلاف معا فليس من المنطق أن تدعم الدولة المستهلكين الكبار للسولار والديزل والبنزين أو أن تدعم البزنس المربح الناجم عن دعم الأعلاف.

فرص ترشيد استهلاكات الطاقة كبيرة، ومن الممكن لإجراءات بسيطة في البيوت والمؤسسات والشركات أن تختصر من فاتورة الطاقة والكهرباء، ويعرف كل المهندسين بأن الأردن طور نظاما لكودات البناء والعزل الحراري لا يتم تطبيقه بشكل فعال، ولو تم ذلك سيساهم في تخفيض فواتير الكهرباء والسولار بنسبة تتصل إلى 30%. أما فرص الطاقة المتجددة فهي عالية جدا، ويمكن تقديم حوافز وإعفاءات ضريبية على كل مدخلات الطاقة المتجددة تساهم في تحفيز المؤسسات والشركات على التوجه نحو هذه الطاقة التي أصبحت تقنياتها الدولية مجدية اقتصاديا، إضافة إلى التقنيات المحلية الهامة التي طورها المركز الوطني لبحوث الطاقة. كما يمكن أن تتضمن سياسات تحرير قطاع الطاقة دعم المؤسسات التي تستثمر في مجالات الطاقة المتجددة وإعطائها حوافز ومزايا تفضيلية مقارنة بالاعتماد على النفط.

المواطن سيكون أكثر إحساسا بقيمة معاناته لو رأى ممارسات ترشيد للمال العام ومنع للفساد من قبل المسؤولين والقطاعات العامة والخاصة التي تحقق الأرباح الطائلة. وهذا ما يتطلب سياسات ضريبية ذكية لإخضاع الشركات الكبرى المستهلكة للطاقة إلى التزامات لدعم قطاع الطاقة، مقابل تقديم حوافز ضريبية للمؤسسات التي تساهم في ترشيد استهلاك الطاقة أو التحول إلى أنواع الطاقة غير النفطية وغير ذلك من السياسات التي تساهم في استيفاء تكلفة الطاقة من موارد رأسمالية قوية أكثر من استيفائها من جيوب المواطنين.

المهم في النهاية أن يتم توزيع كلفة الفاتورة النفطية الحقيقية، الموثقة بأرقام اقتصادية مستقلة وليس فقط الأرقام الحكومية، بشكل عادل بين المواطن والحكومة والقطاع الخاص. وبالنسبة لي كمواطن فإنني أقبل تماما ارتفاع أسعار المحروقات طالما أن ذلك يعني أن المسؤول الحكومي لن يستخدم سيارة بنمرة حمراء لتنزهات عائلته بعد أوقات الدوام، وأن الشركات الكبرى لن تحصل على دعم بأسعار تفضيلية على حساب المنازل والبيوت وأن النواب الذين يمثلون مصالح الناس لن يتمتعوا بامتيازات غير مستحقة مثل السيارات الحديثة مدفوعة الثمن من الخزينة وأن المسؤولين السابقين والمتنفذين لن يستمروا في التهرب من دفع المستحقات المطلوبة منهم لخزينة الدولة . أن المسؤولية الوطنية تقتضي أن نكون جميعا شركاء في توزيع العبء، ولكننا كمواطنين من الصعب أن نقبل أن ندفع كل الثمن مقابل احتفاظ المسؤولين والمتنفذين وزعماء القطاع الخاص بكل وسائل الامتياز والمكتسبات وقد آن الأوان لأن توجه السلطة التنفيذية جهودها نحو الجهات التي يجب أن تشارك فعلا في دفع فاتورة النفط وأن تعمل على تطوير منظومة تشريعية وفنية قوية لدعم الطاقة المتجددة والبديلة وإعطاء هذه الأنواع من الطاقة أجنحة اقتصادية للتحليق والإنتشار من خلال أدوات الدعم الضريبي والاقتصادي المناسبة.

 


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية