رزان زعيتر رئيسة الجمعية العربية لحماية الطبيعة "إن الطاقة لا تفنى" هو أحد المفاهيم التي سحرتنا في السابق ، فقانون ثبات الطاقة كما تعلمناه في دروس الفيزياء ينص على أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم ، إنما تتحول من صورة إلى أخرى: فطاقة الكهرباء مثلا تتحول إلى طاقة حرارية والطاقة المتحركة تتحول إلى طاقة كامنة ... وهكذا ، ولكن من المستحيل أن تصبح صفرا.
إننا نرى انعكاسا لهذا القانون في الغضب المشع الذي عم وطننا العربي تجاه ما يحدث في غزة. فالطاقة والغضب كامنان وموجودان لا بد أن يحركهما الظلم ولو بعد حين ، والدعوة الملحة لنا الآن ، هي تحويل طاقة الغضب إلى طاقة عمل مستدام.
وتطبيقا لهذا المبدأ ، بدأت حملات متطوعي العربية لحماية الطبيعة لأجل غزة منذ سبعة أعوام وتكثفت عندما أطلقت العربية حملة مشروع من المزارع المحاصر إلى العائلة المحاصرة في غزة. فقد تم إنجاز هذا المشروع للموسم الزراعي بالتعاون مع لجان الإغاثة الزراعية خلال الفترة من 1 ـ 8 إلى 30 ـ 8 ـ 2006 ، حيث قامت الجهة المنفذة بتوزيع 1640 سلـة غذائية على 1640 أسرة متضررة ، وشملت هذه السلة أنواعا من الخضار الطازجة المنتجة محلياً مثل البندورة والخيار والبطاطا والباذنجان ، والفواكـه مثل العنب بالإضافـة إلى زيت الزيتون والبيض والجبنة والزعتر والدقة والمفتول. وقد استطاعت العربية جمع أكثر من مئة ألف دينار لهذا الهدف.
وشمل التوزيع جميع محافظات غزة ، حيث تضافرت جهود التجمعات القاعدية واللجان والمؤسسات المدنية المحلية. وقد عززت الحملة مبدأ التكامل الاجتماعي والاعتماد على الذات في مواجهة حالة الإفقار الشديد التي تعاني منها فئات كبيرة في غزة بسبب الحصار والحرب عليها. كما ساهمت الحملة في رفع الروح المعنوية للمزارع وعززت دوره الإنتاجي في المساهمة في التخفيف من حدة معاناة المواطنين.
ثم أطلقت حملة "اللحاق بالموسم" المتمثلة في مشـروع الدفيئـات ، فقد باشرت الجهة المنفذة للمشروع في غزة العمل في هذه الحملة حيث استكملت المرحلة التحضيرية التي شملت تحديد الزارعين المستفيدين من المشروع وتحضير استبيان خاص بالمزارعين من خلال التنسيق مع المؤسسات الزراعية في هذه المناطق لتحديد قائمة المزارعين . كما تم طرح المناقصة لشراء الأشتال في المناطق المستهدفة وإجراء زيارات ميدانية للدفيئات ومعاينتها. وقد قامت العربية لحماية الطبيعة بالتعاون مع اتحاد لجان العمل الزراعي في غزة بتأهيل وزراعة الدفيئات الزراعية المتضررة في قطاع غزة وذلك من خلال المنحة المقدمة من العربية ، حيث تم تأهيل وزراعة 38 دفيئة زراعية بأشتال البندورة والخيار والفلفل. ويستفيد من هذه الدفيئات المزارعون المتضررون من الاجتياحات والقصف الإسرائيلي لمناطق القطاع القريبة من الخط الأخضر. وهؤلاء المزارعون هم من الطبقات الفقيرة التي لا تملك إمكانيات شراء الأشتال لزراعة الدفيئات الخاصة بها. وبلغ عدد المستفيدين 38 مزارعاً ومزارعة موزعين حسب المناطق التالية: البريج 6 مزارعين وبيت حانون 10 مزارعين وبيت لاهيا 22 مزارعاً ، وكانت قيمة المشروع 50 ألف دولار.
كما ساهمت المنحة في إنقاذ 125دونماً من الأراضي الزراعية المزروعة بالأشتال المثمرة والخضروات من الجفاف ، حيث تمت إعادة توصيل شبكات الري التي دمرت خلال الاجتياحات المتكررة. ويستفيد من هذه الأراضي 20 أسرة فلسطينية تعتمد على الزراعة كمصدر دخل وحيد لها في ظل هذه الظروف القاسية. ويأتي هذا التعاون في إطار رسالة العربية لحماية الطبيعة واتحاد لجان العمل الزراعي التي تعتبر دعم المزارع الفلسطيني المنهك في هذه الظروف الاقتصادية الحرجة والصعبة وتخفيف المعاناة عنهم ولو بالشيء اليسير أحد أهدافها.
وأخيرا أطلقت العربية في السابع من تشرين ثاني عام م2006 ، حملة "سقي غزة" والتي جاءت استمرارا لحملاتها في غزة واستجابة سريعة للوضع الطارئ في بيت حانون جراء القصف الصهيوني على البلدة وتدمير خزانات مياه الشرب لعدد من المساكن. وهدف المشروع لجمع التبرعات من أجل تزويد 500 عائلة في بيت حانون بـ500 خزان مياه بكلفة إجمالية تقدر بـ50 ألف دولار أمريكي.
إن الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة والمتواصلة على قطاع غزة وفرض الحصار الجائر الذي امتد ليستهدف لحاجات الأساسية ولقمة عيش المواطنين الأبرياء يؤكد ضرورة العمل المستدام بهدف استدامة الحياة فيها وليس كردود فعل فقط ، لذا تواصل العربية هذا العام تجديد حملتي "يقتلعون شجرة ... نزرع عشرة" و"معاً لكسر الحصار على غزة" والتبرعات لدعم مواطني غزة ومزارعيها لشراء وتوزيع منتوجات المزارعين واستصلاح وزراعة الأراضي المجرفة في منطقة غزة حيث أصبحت المناطق الزراعية مؤخراً مناطق منكوبة فعلت بمزارعها الجرافات الإسرائيلية ما فعلت من خلال تخريب وتجريف يلحق الأذى بأكثر من 70 ألف مزارع 30و ألف عامل زراعي. ويعيش اليوم أكثر من %80 من مواطني غزة تحت خط الفقر ، وتصل نسبة البطالة إلى أكثر من %40 بسبب الإغلاق والحصار الإسرائيلي.
تتوجه العربية لحماية الطبيعة لجميع الأخوة والأصدقاء بالمساهمة في دعم صمود وبقاء الشعب الفلسطيني على أرضه ، إما بالتبرع لغرس شجرة في غزة ولو بدينار واحد كتعبير عن التضامن والمساندة لمزارعي فلسطين في غزة المحاصرة ، أو التبرع بسلة غذاء لعائلة محاصرة.
من الضروري القول إن هذه الجهود على أهميتها تظل مجتزأة إذا لم تأت كجزء من خطط متكاملة واسعة تضم فرقاء عدة لدعم المزارع الفلسطيني ليبقى سيداً في أرضه وعلى موارده ، محققاً جزءاً من حاجاته ومعتمداً على نفسه فكل جهود الإغاثة مهمة وضرورية ، ولكن الأهم استدامة دعم المزارع ليقف على قدميه في مواجهة الحصار والتجويع وليس فقط كمتلقْ للدعم الاغاثي.
يبقى أن نؤكد أننا لا نرى أهل غزة فقراء بل نراهم محاصرين ، ولا نراهم مساكين ولكن نراهم أبطالاً صامدين ومقاومين. ومع الضرورة الملحة للجهود الطيبة والإنسانية الفورية فلا بد أن تستمر جهود التنمية المستدامة والتي يكون رافدها الأموال العربية والإسلامية ، وأموال فلسطيني الشتات. تلك الأموال التي تأتي مجردة عن الأهداف المبطنة والمشروطة للتمويل الأجنبي ، والتي غالباً ما تكون موجهة لزيادة درجة الاتكال وتؤدي في معظم الأحيان إلى تراكم الفقر تماماً كما حصل في غزة ، عندما رفع الدعم الأوروبي عنها. وأكّد هذا المفهوم الباحث ديفيد كورتن في كتابه "عندما تحكم الشركات العالم" ، حيث أشار إلى أنه في السنوات الثلاثين الأخيرة تبيّن أنه كلما زاد الاقتراض والتمويل الخارجي انخفضت مؤشرات التنمية.
الاحد, 24 فبراير, 2008
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










