بقلم- باتر محمد علي وردم نشرت المقالة في صحيفة الدستور الأردنية تؤكد حالة الفزع العالمية بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحاصيل الأساسية مدى أهمية القطاع الزراعي على المستوى الوطني في المساهمة ولو بالحد الأدنى المطلوب من الأمن التنموي. في الأردن مثل الكثير من الدول العربية والنامية بدأ القطاع الزراعي منذ فترة طويلة يئن تحت وطأة سياسات تغيير هيكلي هدفت إلى إضعاف الدعم المقدم حكوميا إلى القطاع الزراعي مقابل زيادة الاهتمام بقطاعات الخدمات والتجارة والسياحة وغيرها من القطاعات. في الأردن واجهت الزراعة عدة مشاكل في السنوات الماضية لعل أهمها التغير المتسارع غير القابل للتبرير لوزراء الزراعة بالإضافة إلى التعامل مع وزارة الزراعة كإحدى "وزارات الترضية" السياسية والجهوية أثناء التشكيل الحكومي وليس من الوزارات ذات الأولوية. في السنوات العشر الماضية مر على وزارة الزراعة حوالي 8 وزراء والقليل منهم كان مختصا في مجاله ولكن الجميع اشترك في صفة عدم الاستمرار. وفي إحدى هذه الحالات تم تعيين وزير للمياه والزراعة معا لم يسبق أن عقد اجتماعا مهما واحدا في وزارة الزراعة حيث سرت عدة شائعات حول دمج وزارة الزراعة مع المياه والري. هذا الوضع يبدو مؤشرا على تراجع قطاع الزراعة في التخطيط الوطني ، ويمكن لأي زائر لوزارة الزراعة أن يطلع على صور الوزراء السابقين ويجد أسماء بوزن وصفي التل وسعيد المفتي وهزاع المجالي حيث كان هؤلاء الوزراء يضيفون بثقلهم السياسي قيمة مهمة لوزارة الزراعة. بدون الدخول في دوامة الشائعات والمؤامرات حول وجود خطة خارجية لتدمير القطاع الزراعي حتى يصبح الأردن معتمدا على الاستيراد الخارجي وبالتالي إنهاء أمنه الغذائي والتنموي فإن من الإنصاف الحديث المنطقي عن التحديات التي يعاني منها قطاع الزراعة وأهمها تراجع الكميات المتاحة من المياه. في الاستنتاج النهائي لأية عملية تقييم لقطاع الزراعة في الأردن فإن اي تطوير يجب أن يترافق مع زيادة مصادر المياه أو تحسين التكنولوجيا للاعتماد على محاصيل ذات قيمة تجارية مضافة وقليلة الاستهلاك للمياه أو تحسين كفاءة الري. في قلب هذه المعادلة يكمن موضوع القمح حيث تزداد المطالبات بإعادة زراع القمح بالكميات السابقة ، ولكن هذا الطرح الوطني الذي ينم عن حرص حقيقي على الأمن التنموي من المفترض أن يترافق أيضا مع تقديم حلول وبدائل لعملية الري التكميلي. إنتاجية القمح في الأردن اعتمادا على مياه الأمطار قليلة جدا ولن تكفي حتى %20 من الاحتياجات المحلية وهذا يعني ضرورة اللجوء إلى الري التكميلي الذي يرفع الإنتاجية. بعض المقترحات التي تشير إلى استخدام مياه جوفية مثل حوض الديسي لزراعة القمح ليست منطقية إذ أنه حتى في السعودية تم التوقف مؤخرا عن ضخ مياه الديسي لإنتاج القمح والاستعاضة عنه بالمياه المحلاة ، وفي الأردن فإن الحل الأفضل يكمن في إعادة استصلاح بعض المياه العادمة أو المالحة وبنوعية عالية الجودة تسمح بزراعة المحاصيل القابلة للاستهلاك ، فالزراعة البعلية لن تدعم أي نوع من الأمن الغذائي إلا بمساحات شاسعة من الأراضي التي بدأت تتدهور بفعل التملح والامتداد العمراني. لا يوجد أي نوع من الطموح في البرنامج التنفيذي للحكومة فيما يتعلق بالقطاع الزراعي حيث ان الهدف الوحيد هو رفع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من 3% حاليا إلى 4% عام 2017 ولكن هناك بعض المشاريع الخاصة بإنشاء صندوق المخاطر الزراعية ودعم مشاريع الحصاد المائي وزراعة المحاصيل ذات القيمة السوقية العالية ومشاريع إدارة الموارد الزراعية في عدة محافظات وتقوية الصادرات الزراعية وتحسين الإنتاج الحيواني والنباتي. تواضع الهدف المقدر لمساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي يشير إلى غياب القناعة بأهمية الزراعة مقارنة بقطاعات أخرى تبدى تطورا كبيرا. في الأردن خبرات كبيرة في القطاع الزراعي في مجال البحث والتكنولوجيا سواء في الجامعات أو في المركز الوطني للبحوث الزراعية ، وهناك شركات في القطاع الخاص بدأت تستخدم أفضل أنواع التكنولوجيا الحديثة وهناك خبرات تراكمية هائلة لدى المزارعين مما يعني وجود طاقة كامنة لاستنهاض القطاع الزراعي ولكن تبقى العوامل المحددة هي توفر المال الكافي لاستدامة المشاريع الزراعية وخاصة التي يتم دعمها أوليا من منح وقروض خارجية وكذلك توفر موارد المياه المناسبة لإحياء الزراعة. السياسة الزراعية الرسمية في الأردن هي الاستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية التي تم إعدادها في العام 2002 ولكن آراء أكثر المعنيين بالقطاع الزراعي تؤكد أنه لا يوجد التزام سياسي كاف بمتابعة هذه الاستراتيجية والكثير من الأهداف الواردة فيها لم تتحقق بعد ، وهذا هو حال معظم السياسات التنموية في الأردن. ولكن من الواضح أن التحديات التي طرأت على القطاع الزراعي في السنوات الماضية من تغير المناخ وزيادة اسعار الأغذية وتراجع كمية المياه والتهديدات المحيطة بقطاع الثروة الحيوانية تجعل من الضروري تطوير سياسة جديدة. يمكن أن يدخل القطاع الزراعي في تجربة شبيهة بقطاع الطاقة والمياه حيث يتم تشكيل لجنة ملكية من ذوي الاختصاص والخبرة كفيلة بتحديث الاستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية بناء على المستجدات والمتغيرات الجذرية في هذا القطاع. مثل هذه اللجنة مهمة جدا لتطوير سياسات وخيارات زراعية وطنية لا ترتبط بالضرورة بتوصيات خارجية وخاصة في سياق تحديد أمثل وأكفأ أنواع الدعم للقطاع الزراعي الذي يساهم في تنشيط الزراعة وتحقيق نسبة أكبر من الأمن التنموي والغذائي بعيدا عن سوء استغلال الدعم كما كان يحدث في إطار الدعم المقدم للأعلاف الذي استفاد منه الكثير من رجال الأعمال الكبار بدلا من مربي الماشية التقليديين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة. هذه اللجنة يمكن أن تدرس بعناية أيضا التعقيد الكبير الذي يشوب معادلة الاستيراد والإنتاج المحلي من المنتجات الزراعية ، وكيفية التوازن ما بين دعم المستهلك من خلال تقليص الجمارك والضرائب على السلع المستوردة وإيقاف التصدير وحماية المنتجين المحليين وهي معادلة صعبة جدا وتحتاج إلى الكثير من القرارات الذكية والمخططة بعناية والبعيدة عن العشوائية. أما القضية الثالثة والمهمة في السياسات الزراعية فهي تحسين أدوات التسويق الزراعي التي تساهم في ضمان حصول المزارع على النصيب الأكبر من الأرباح وليس الوسطاء كما هو الحال في السنوات الماضية ، وبدون نظام تسويق عادل سيهجر الكثير من المزارعين مهنة الزراعة باحثين عن خيارات أخرى في المدن. في محصلة الأمر فإن الأبعاد الاجتماعية والتنموية للقطاع الزراعي قد تبدو أكثر أهمية من الأبعاد الاقتصادية البحتة المتمثلة في مؤشر مساهمة القطاع في الناتج المحلي. هذه القناعة بالأبعاد الاجتماعية والتنموية هي التي تجعل معظم دول العالم وحتى في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تقدم دعما مؤثرا لقطاع الزراعية لتقوية تنافسيته العالمية وهذا ما يجعل صانع القرار الاقتصادي الأردني بحاجة إلى إعادة النظر في توجهات تجاهل القطاع الزراعي وإعطاء هذا القطاع المزيد من الأهمية والحوافز المناسبة والعادلة لإعادة الاعتبار إليه في النشاط الاقتصادي والتنموي.
الجمعة, 16 مايو, 2008
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










