ليس هدفي من هذه المقالة الإقتراب من عنوان رائعة جابرييل جارسيا ماركيز "مئة عام من العزلة" والتي شكلت علامة فارقة في تاريخ الأدب العالمي، ولكن لأوضح للقراء الأعزاء لهذه المدونة سبب غياب أي تجديد خلال الأيام الأربعين الماضية، تقريبا. من الواضح أن المدونات كوسيلة تعبير وإعلام تبقى دائما مرتبطة بقدرة المدون على الإستمرارية والإستدامة، مثل الموارد الشحيحة تماما. بالنسبة لي فإن الوقت كان هو المورد الشحيح، والمسألة لم تكن مسألة الشح فقط بل سوء الإدارة، تماما مثل مشكلة المياه في العالم العربي. هذه المدونة تمثل عملا تطوعيا ولكنه يحقق لي الكثير جدا من الرضا المعرفي والمهني وفي أحيان ;ثيرة اشعر بأن المدونة تمثل بالنسبة لي هوية أكثر قيمة من بعض التصنيفات الوظيفية التقليدية، ولكن متطلبات العمل ومتابعة المواعيد النهائية كانت متسارعة في الآونة الأخيرة وما زاد من المشكلة أنني مررت بمرحلة من الإنسداد الفكري التي جعلت الكتابة ذات النوعية الجيدة بالنسبة لي أمرا بالغ الصعوبة. طبيعة عملي ونشاطاتي المتنوعة والالتزامات العائلية حتمت علي القيام بجملة من التغييرات في كيفية تحديد الأولويات من أجل التركيز على القيمة الحقيقية لما أقوم به. أول عملية تغيير هي توقفي النهائي ولكن بشكل تدريجي عن ممارسة النشاط السياسي والكتابة الخاصة بالشأن السياسي في الأردن بعد عدة حالات من الإحباط وكذلك من الشعور بأن القيمة المرتبطة بالعمل البيئي والتنموي تبقى أكثر أهمية من القيمة المرتبطة باللغو السياسي في مجتمعات ودول تحمل عداء حقيقيا لكل أفكار الديمقراطية والتحديث والإصلاح. في عيد ميلادي التاسع والثلاثين الذي مر قبل حوالي شهر شعرت للمرة الأولى بأنني لم أحقق تقدما مهنيا بالقدر الذي أتمناه. البعض من زملائي في الدراسة والمهنة حققوا تقدما أفضل، والبعض الآخر يعانون من ضغوطات شديدة ولم يحققوا مرادهم وشخصياتهم المهنية. خسرت فرصا مهمة في حياتي المهنية بسبب نقص المتابعة وعدم التركيز أحيانا والظلم الفادح في أحيان أخرى. ولكنني في المقابل حققت اشياء ممتازة أفخر بها واصبحت إسما يحظى بسمعة طيبة في مجتمع "البيئة" في الأردن والعالم العربي وعملت في إستشارات ومشاريع وبرامج هامة مع معظم مؤسسات الأمم المتحدة. ولكن كان يمكن تحقيق ما هو أكثر في مجال مهنتي الأكاديمية في البيئة لو أنني لم أضع جانبا نسبة كبيرة من وقتي طوال عشرين سنة للعمل الإعلامي والسياسي. منذ العام 1989 تقريبا وأنا أشارك بنشاط في ساحة الإعلام والسياسة آملا في أن نصل يوما ما إلى حالة من الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة في الأردن شبيهة بالدول المتحضرة ولكن بعد 20 سنة لا زلت أشعر بأن الهدف الآن أبعد عما كان عليه في العام 1989. الآن زادت مشاعر التعصب الإقليمي والعدوانية السياسية والفساد الاقتصادي والإداري والإعلامي وانتهاك حقوق الإنسان وسيادة قانون العشيرة على القانون المدني وزيادة أسلوب الفهلوة في كل نواحي الحياة وغياب قيم كثيرة ايجابية كنا نسعى لها. ربما كان جيلي جزءا من الاسباب المؤسفة لخسارة هذه القيم ولكن من الواضح أنني لم أعد أملك لا الطاقة ولا الرغبة في متابعة هذه المسيرة. قررت منح الوقت الأكبر للنشاطات ذات القيمة والتركيز على استعادة قدرتي على تقديم المنتجات ذات النوعية العالية والتي إفتقدتها مؤخرا بسبب التزاحم في المواعيد والمهام. لقد تخلفت عن الكثير من المواعيد النهائية وقدمت بعض المنتجات التي لا أفخر بها ولكن كل هذا سوف يتغير الآن. لقد إنسحبت من الكثير من المبادرات والنشاطات التي أعتقد أنها لن تحقق نتائج بقدر الجهد المبذول فيها ولا أحس أنني ساقدم فيها ما يعبر عن هويتي البيئية. هذه المدونة هي جزء لا يتجزأ من النشاطات التي أفخر بها وأريد استمراريتها وأتمنى أن تسنح لي الفرصة مع بعض التنظيم في استعادة الإستدامة والتواصل. اعتذر بشدة لكل من تصفح المدونة باحثا عن تجديد في الأسابيع الأربعة الماضية ولم يجد وأعد بالمزيد من الجهد.
الاربعاء, 23 يوليو, 2008
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











من لإمارات العربية المتحدة
عدت والعود أحمد
أهلا بك أخي باتر على عودتك الحميد لقراء المدونة البيئية الاولى بالعالم العربي باللغة العربية
أهلا بك بين من يحبك ويصدقك القول بعيدا عن العمل اسياسي ونفاقه بما لا يعبر عنك أبداً، المهم لقد اخترت الطريق الصحيح حسب رأيي فالتخصص بالعمل والهوية أمر ضروري جداً حتى ولو كانت فلوسه قليلة فالعاملين بالبيئة مصادر دخلهم قليلة جدا إن لم تكن معدومة لكون هذا العلم ناشيء والتوعية تطوعية وحالتنا حالة مثل بعضنا البعض لكن هذا الاتجاه وهذه السياسة بما تحمل في طياتها الكثير من النبل والخير والمحبة والعطاء اللامحدود للناس جميعا بدون مقابل فالعمل التطوعي هو أبنل عمل انساني في الكثير من الرضا عن الذات ويعطيك القوة في الاستمرار وتحقيق الذات والله هو الذي وراء توفيقك ونجاحك في اتمام رسالتك وسدادها
المهم مبروك عودتك للساحة البيئية لا تقطعنا من قلمك الطيب فأنت صادق ومؤثر بفكرك النير وأتوقع لك النجاح السريع والموقع المتقدم على الساحة البيئية العربية قريباً إن شاء الله
أخوكم عماد سعد
ابوظبي