يعتبر العام القادم 2010 حاسما لمستقبل إدارة الموارد المائية في الأردن وخاصة من حوض الديسي، حيث من المفترض أن يتم المباشرة ببناء الأسس الهندسية واللوجستية وحفر الآبار اللازمة لمشروع جر مياه الديسي لأغراض الشرب في العاصمة عمان وإقليم الوسط. ولكن هناك بعدا لا يقل أهمية عن ذلك وهو الوصول إلى موعد إنتهاء التراخيص والاتفاقيات التي منحتها الحكومة لأريع شركات زراعية كبرى سمحت بموجبها باستنزاف 90 مليون متر مربع من مياه الديسي سنويا طوال السنوات الخمس وعشرين الماضية، بدون أن تتمكن الدولة الأردنية من إنهاء هذا الاستنزاف. الآن لم يعد هناك سبب قانوني وفني واقتصادي يسمح بالاستمرار في هذه الجريمة بحق الموارد المائية غير المتجددة في الأردن. المنتجات الزراعية من قبل الشركات التي تستنزف مياه الديسي غير المتجددة معدة جميعا للتصدير خارج الأردن ولا تساهم في الأمن الغذائي الوطني وتتحول فقط إلى أرباح لأصحاب الشركات في الوقت الذي نقوم فيه ليس فقط بتصدير البطاطا من مزارع الديسي إلى أسواق الخليج وغيرها بل نقوم بتصدير مياه من أجود نوعية في العالم مستخدمة لري هذه المنتجات وتستخدم عمالة وافدة رخيصة وبدون إحداث تنمية ملموسة على المستوى المحلي. وبالإضافة إلى ذلك، وحسب مذكرة أعدتها كتلة الإخاء في مجلس النواب قبل أشهر فإن "اصحاب تلك الشركات باتوا يؤجرون أراضيهم للمزارعين بأسعار كبيرة ما أدى الى رفع اسعار المنتجات الزراعية على حساب المواطنين ، وإهدار المياه من ذلك الحوض الذي يعتبر بالنسبة للمملكة مخزونا استراتيجيا نحن بامس الحاجة اليه". وللإنصاف فإن الحكومات المختلفة حاولت في السنوات الماضية ملاحقة هذه الآبار وإجبار الشركات على دفع قيمة المياه ولكنها لم تستطيع أمام الفتوى التشريعية التي تمسك بها أصحاب الشركات بقوة مدعومين بنفوذهم السياسي والاقتصادي. في العام 2002 أصدرت الحكومة نظام مراقبة المياه الجوفية الذي يتضمن إجبار أصحاب الآبار على دفع قيم المياه التي يتم ضخها. وقد كانت قيمة المياه الجوفية تتناسب مع كمية الضخ بشكل طردي، وتسبب تنفيذ القانون بمشاكل كبيرة مع أصحاب الآبار وصلت إلى حد إطلاق النار على موظفي سلطة المياه الذين يراقبون العدادات في بعض المناطق. وبعد جدال وتهديد قامت السلطة بتخفيض قيمة المتر المكعب من كل الآبار الجوفية في حوض الأزرق وحوض عمان-الزرقاء بنسبة 80% بناء على تعديل لنظام المياه الجوفية قلص قيمة المتر المكعب من المياه من 25 فلسا إلى 5 فلسات للآبار التي تضخ أقل من 200 ألف متر مكعب، وأبقت القيمة العليا وهي 60 فلسا للمتر المكعب على الآبار التي تضخ أكثر من 200 ألف متر مكعب، وهي في الواقع مجموعة الآبار الخاصة بالشركات الزراعية في الجنوب، حيث أصبح هناك فارق غير بين من يستهلك 195 ألف متر مكعب ويدفع 5 فلسات ومن يستهلك 205 متر مكعب ويدفع 60 فلسا. إن الاستثمار الزراعي في منطقة الديسي غير منطقي، لأن الأرض غير قابلة للزراعة إلا بضخ كميات هائلة من المياه الجوفية والقيمة المالية للمياه التي يتم ضخها قد تكون أكبر من القيمة الإنتاجية للمحاصيل نفسها، فما يحدث في الواقع هو إضاعة مياه ثمينة بدلا من إنتاج محاصيل غذائية. ولكن هذا المنطق المائي-البيئي لا يمتلك الكثير من الحجج في مواجهة الاتفاقية الموقعة في منتصف الثمانينات بدون أي تفكير بالبعد المائي والبيئي ولكن من الضروري الآن الحرص على التعامل بطريقة حكيمة مع هذه الاتفاقيات. من الصعب مطالبة الشركات بإغلاق ابوابها ولكن أية اتفاقية جدية معها يمكن أن تلتزم ببعض المبادئ والشروط أهمها تحديد سقف أعلى للضخ السنوي يتناسب مع المخططات المستقبلية لاستخدام مياه الديسي لأغراض الشرب ولا يساهم في استنزاف الحوض، وهذا قد يعني سقفا بحدود 30-40 مليون متر مكعب سنويا وليس 90 مليون متر مكعب. الشرط الثاني هو تحديد القيمة الحقيقية لسعر متر المياه المكعب حسب النوعية وهي مياه مناسبة للشرب أكثر من الري. الشروط الأخرى قد ترتبط بضرورة تخصيص نسبة من المحصول للسوق المحلي للمساعدة في تحقيق الأمن الغذائي وليس تخصيص كافة المنتج للتصدير وأخيرا من المهم وضع شروط على نسبة العمالة المحلية والتزام الشركات بدعم مشاريع للتنمية المحلية في منطقة الديسي والمدورة ضمن منظومة المسؤولية الاجتماعية للشركات التي باتت تتطور وتأخذ سياقا مهما في خيارات التنمية المحلية. ليس من الممكن الاستمرار بالسيناريو الحالي من استنزاف المياه.
الخميس, 29 اكتوبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










