مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول العلاقة بين البيئة والتنمية في الأردن والعالم العربي

نحو حماية التعليم العالي من اقتصاد السوق

 

في إنتظار نتائج تشكيل مجالس أمناء الجامعات وما يتبع ذلك من إختيار لرؤساء الجامعات يدخل التعليم العالي في الأردن مرحلة انتقالية مهمة على المستوى الإداري والمؤسسي، ولكن الإختبار الحقيقي لمستقبل التعليم العالي هو في اتخاذ القرارات السليمة اجتماعيا وتنمويا حول تكاليف الدراسة الجامعية، وعدم تحويل الجامعات إلى مجتمعات معزولة متاحة فقط لأبناء أصحاب الدخل العالي وأداة أخرى للتفرقة الطبقية في المجتمع الأردني، خاصة مع الزيادة المتتالية في نسبة الطلبة الملتحقين بالتعليم الموازي الذي يمثل نمطا من تجارة التعليم العالي.

في هذه الأيام ومع بداية السنة الدراسية هنالك عشرات الآلاف من العائلات الأردنية التي تبذل الغالي والنفيس من العمل الإضافي والاقتراض وبيع الأصول وربما الاستدانة من أجل تأمين تكاليف الرسوم الجامعية لطلبة يستحقون كل فرص التعليم الجامعي لحصولهم على نتائج متميزة في امتحان الثانوية العامة حيث يشكل منح حق التعليم الواجب الأول أمام أرباب العائلات الأردنية. 

في تصريحات متتالية ومبرمجة من وزارة التعليم العالي يتم التأكيد على مشكلة المديونية المالية في الجامعات وارتفاع تكاليف التدريس وضعف الميزانية المخصصة للبحث العلمي وكل هذا يعتبر نوعا من التبرير المسبق لقرارات رفع الرسوم الجامعية في المستقبل كخيار أبسط من اتخاذ الإجراءات الأصعب المتمثلة في تخفيض الإنفاق العام وخاصة في الموازنات والرواتب الإدارية التي تستنزف الجامعات الحكومية، خاصة في ظل العجز الاقتصادي في الموازنة العامة والذي يجعل من تخصيص ميزانية عامة لدعم الجامعات عملية صعبة جدا وتتفوق عليها من حيث الأولوية النفقات الجارية مثل تشغيل اسطول السيارات ذات النمر الحمراء خارج أوقات الدوام الرسمي، أو تقديم المزيد من المكتسبات المالية لأعضاء مجلس النواب.

إن اعتبار التعليم العالي نوعا من أنواع الخدمات والسلع التجارية التي لا بد من "استرداد الكلفة الحقيقية لها" Full  Cost Recovery سيشكل كارثة على فرص الحياة والمستقبل لكل أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة. التعليم هو العنصر الرئيسي في التنمية البشرية وإذا ما ارتفعت الرسوم الجامعية سيصبح حكرا على من يملكون القدرة على دفع ثمنه، والذين يعتمدون في حياتهم على ثروة آبائهم وعائلاتهم أكثر من اعتمادهم على التعليم الذي هو في المقابل الوسيلة الأكثر أهمية لأبناء الطبقات الفقيرة والوسطى لتحقيق طموحاتهم في الحياة.

أن تضييق فرص التعليم أمام الطبقة الوسطى والفقيرة  يصبح جريمة حقيقية في حق أجيال المستقبل من الأردنيين، وإذا كان الإنسان أغلى ما نملك ونحن في الأردن نفاخر بالموارد البشرية المتعلمة فيجب أن يبقى التعليم العالي متوفرا أمام الجميع وبكلفة معقولة لا أمام أبناء الأغنياء فقط وبالتالي نقاوم ترسيخ التفاوت الكبير القائم حاليا بين الأقلية من الأغنياء وغالبية الشعب الأردني الذي يجد صعوبة في تدبر أمور حياته. 

نتمنى أن يكون هناك قرار حكومي واضح بإبعاد قطاعي التعليم والصحة من أية خطط للخصخصة واستخدام مصطلحات "استعادة الكلفة التامة" وأن يكون من البديهيات استمرار الدعم الحكومي لهذه القطاعات حماية للفئات الاجتماعية التي قد تستغني عن الكثير في الحياة ولكن حقها في التعليم العالي والصحة يجب ألا يمس بأي حال من الأحوال.


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية