قرار توسعة مصفاة البترول الأردنية، واختيار الشريك الإستراتيجي للقيام بهذه المهمة ومنح المصفاة فترة امتياز إضافية لمدة 15 عاما يعتبر وبكل بساطة أهم قرار حكومي ربما طوال عقد كامل لأنه يتعلق بمستقبل قطاع الطاقة الذي لا يشكل فقط عصب الاقتصاد ولكنه يرتبط بسبل المعيشة ونوعية الحياة والأمن الاقتصادي والاجتماعي لكافة المواطنين. هذا القرار يتعلق أيضا بكافة العاملين في المصفاة وحقوقهم وامتيازاتهم فضلا عن نوعية الحياة في بلدة الهاشمية ومحافظة الزرقاء والمتأثرة بشكل كبير بتقادم معايير السلامة ومكافحة التلوث في المصفاة. النقاشات التي تدور الآن حول المصفاة ومستقبلها صحية جدا، وجاءت التوجهات التي أعلن عنها رئيس الوزراء في محاولة طرح إكتتاب عام ومن ثم استقطاب المستثمر المحلي وبعده الأجنبي لتعطي ارتياحا عاما حول منهجية إدارة الملف. وأن كان الغموض حتى الآن لا يزال يسيطر على القيمة المضافة للجهة الوحيدة التي طرحت نفسها كشريك استراتيجي في توسعة المصفاة، وهي جهة أثارت أيضا قلقا عاما من خلال تصريحات حول نيتها مقاضاة أحد النواب بسبب تساؤلات مشروعة حول هذه الصفقة وهوية الصندوق الإستثماري، لأنه من المفروض أن الجهة التي تتقدم لإدارة أهم قطاع اقتصادي في الأردن تملك الثقة والقدرة على تقديم الإجابات الدقيقة والواضحة على كافة الاستفسارات وليس محاولة إسكاتها ولو قضائيا. القضايا الأساسية التي ركز عليها النقاش مؤخرا تتعلق برأس المال الذي سيتم ضخه إلى المصفاة سواء منطقية حجم رأس المال أو مدى توفره على شكل سيولة وأصول لدى الشريك الإستراتيجي لأن هناك تخوفا من اللجوء إلى وسيلة التفافية طالما تم تطبيقها في المشاريع العقارية وهي الاقتراض من البنوك المحلية. القضية الثانية هي أسعار المنتجات النفطية بعد التوسعة وتمديد الإمتياز ومدى تأثيرها على المستهلك الأردني وأداء الاقتصاد بكافة قطاعاته المرتبطة حيويا بالطاقة. ولكن القضية المحورية التي لا زالت غائبة عن النقاش والتي سبق وأن ذكرتها في مقال سابق وأعيد التأكيد عليها هي قضية التكنولوجيا. أن أحد أهم مبررات استدراج الشركاء الإستراتيجيين من القطاع الخاص لإدارة الشركات والمصانع العامة هو مبرر نقل أفضل أنواع التكنولوجيا المتاحة وتوظيفها وتطبيقها في المؤسسة المستهدفة. وبالنسبة لقطاع الطاقة وتكنولوجيا إنتاج المشتقات النفطية فإن التكنولوجيا تتطور بشكل يومي تقريبا ولا بد من أن تكون الجهة التي يعهد إليها بتوسعة المصفاة والحصول على امتيازها ذات خبرة وقدرة وكفاءة تكنولوجية عالية وأن تستخدم ما يطلق عليها State of the art أي أفضل أنواع التكنولوجيا المتاحة سواء في إنتاج المشتقات النفطية أو إزالة التلوث أو حتى إعادة استخدام المواد الخام والمخلفات الإنتاجية. قريبا من مصفاة البترول هنالك تجربة ناجحة لمحطة الخربة السمرا لمعالجة المياه العادمة والتي كانت تعتبر أكبر بؤرة للتلوث البيئي في الأردن ولكن مشروع توسعة المحطة والذي تم باستقطاب تكنولوجيا عالية المستوى من شركة فرنسية معروفة بتطوير وإنتاج التكنولوجيا وأنظمة الإدارة والسلامة العامة ساهمت في رفع كفاءة المحطة والتي تنتج الآن مياه عادمة معالجة أكثر نظافة بكثير من المحطة السابقة، بعد أن تم استثمار أموال وسيولة وأصول وتكنولوجيا بالشكل الصحيح، وهذا بالضبط ما نأمل أن يحدث في مصفاة البترول. من المهم استقطاب شركة ذات قدرة على تطبيق تكنولوجيا عزل الكربون ومنع التلوث والتي يمكن أن تحقق فائدة مالية وبيئية مباشرة للأردن من خلال تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المصفاة ومن ثم تحديد مستوى هذا التخفيض وبيعه لدول صناعية أو شركات دولية تجاوزت الحد المسموح لها من إنبعاثات الكربون حسب اتفاقية تغير المناخ والبروتوكولات الملحقة بها، وهذا ما سيجلب دعما ماليا مباشرا من خلال بيع طن الكربون الذي يتم تخفيضه في سوق الكربون العالمي والذي بدأ الأردن بالفعل المشاركه فيه من خلال تحويل محطة العقبة الحرارية إلى الغاز الطبيعي ومن الضروري أن تكون هذه الحسابات موجودة في عملية اختيار الشريك الإستراتيجي لمصفاة البترول ايضا. ولكن أهم أبعاد التكنولوجيا المطلوبة هي إزالة الكبريت من الديزل والذي يتجاوز باضعاف كافة المعايير العالمية حاليا، وأصبح هو الملوث الرئيسي للهواء في الأردن بعد التخلص من الرصاص في البنزين. التكنولوجيا عامل اساسي في قرار منح الامتياز واختيار الشريك الإستراتيجي ومن المهم أن يدخل كعنصر في تقييم العروض ولا يتم الاقتصار فقط على العروض المالية، لأن هذه فرصة كبيرة للأردن للإنتقال إلى عصر من الطاقة النظيفة من خلال الفرصة المتاحة في مشروع توسعة المصفاة.
الخميس, 29 اكتوبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










