المحاولة الأولى لفك هذا النمط من السرية قام به د. منذر حدادين رئيس وفد المفاوضات حول المياه والذي شارك ايضا في العديد من جلسات المفاوضات الخاصة بالحدود والطاقة والبيئة من خلال كتابه الجديد "سلام على اليرموك" والذي أعترف بأنني قرأته كاملا في يوم واحد نظرا لأهمية ما تضمنه وللأسلوب السردي المشوق الذي تميز به.
بالطبع فإن روايات التاريخ تعكس وجهة نظر الكاتب ومعظم الكتاب يهوى أن يضع نفسه في الدائرة المركزية وهذا ما يفعله حدادين ولكن بكثير من الطرافة في بعض الفقرات. في بداية الكتاب يتحدث عن "عملية خداع" قام بها لإسرائيل في الثمانينات حيث كان مديرا لسلطة وادي الأردن وكان يفترض إزالة جزيرة رملية تمنع تدفق المياه من نهر اليرموك إلى الأردن وكانت إسرائيل ترفض أن يزيل الأردن تلك الجزيرة إلا من خلال مفاوضات وتضع مراقبة أمنية عليها. وقام حدادين حسب الكتاب بتحريك جرافات السلطة إلى منطقة أخرى في الشمال من الموقع لتثير انتباه الإسرائيليين بينما نزل مع مجموعة من المهندسين والعمال لحفر الجزيرة بالمعاول في الليل وقال بأنه عندما ضرب أول معول تفوه بجملة "بسم الله الرحمن الرحيم" بالرغم من أنه مسيحي.
يقدم د. حدادين وصفا دراميا لكيفية تطور المفاوضات والصراعات التي كانت تتم بين الوفد الأردني والإسرائيلي على كميات مياه لا تتجاوز 25 مليون متر مكعب في السنة ، وعشرات الاقتراحات والردود البديلة المدعمة فنيا. ومن أهم الفقرات التي ذكرها الدكتور حدادين كيفية الوصول إلى النص النهائي لمعاهدة السلام والذي إستغرق عملا متواصلا لمدة 36 ساعة حتى أن أحد المفاوضين الأردنيين بقي ساهرا طوال الليل يحرس الخرائط التي تم الاتفاق عليها مع الإسرائيليين حتى لا يتم تغييرها من قبل الوفد الإسرائيلي.
كما يذكر المؤلف قيامه بتغيير نص فقرة جوهرية في المواد الخاصة بالحدود حولت النص الأصلي من "حدود دولية" بين الأردن والضفة الغربية - معناها القانوني وجود دولتين فقط أردنية وإسرائيلية - إلى حدود إدارية للأراضي التي تم احتلالها في العام 1967 لإبقاء الحق الفلسطيني فيها ، ويقول المؤلف أنه قد جعل المفاوض الإسرائيلي يوقع على النص الجديد بعد أن أخذ منه الإنهاك مأخذا في السادسة صباحا ودون أن يمعن النظر ، وقد استشاط الإسرائيليون غضبا بعد ذلك حسب حدادين وهددوه بالثار وهو يعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي وراء مهاجمة منزله في دابوق بصاروخ في ليلة عيد الميلاد من عام 1999.
ليس هذا مقالا ترويجيا للكتاب ، ولكن في اعتقادي الخاص أنه مرجع ممتاز لكل تاريخ دبلوماسية المياه بين الأردن وإسرائيل للمختصين المهتمين ، أما بالنسبة للقراء المسيسين فهو يعطي صورة درامية لأجواء المفاوضات من المفيد الإطلاع عليها.
الاربعاء, 02 ديسمبر, 2009
كانت فترة المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف تمهيدا لاتفاقية السلام الأردنية - الإسرائيلية ما بين 1991 - 1994 من أهم الفترات في التاريخ الحديث للأردن ، حيث تميزت بالمواجهة القانونية والسياسية والدبلوماسية والفنية بين المفاوض الأردني والإسرائيلي حول العديد من القضايا. ولما كان من شيم السياسيين في الأردن عدم كتابة المذكرات والتفاصيل المثيرة للأحداث التي مروا بها فإن القارئ الأردني والعربي لم تتسن له الفرصة لمعرفة ما دار في هذه المفاوضات من ضغوطات وسياسات شد وجذب.
الكتاب بشكل عام هو أفضل مرجع أردني وعربي حول دبلوماسية المياه وتضمن كل التفاصيل والأرقام والمقترحات والأسماء والمواقع مما يعكس قدرة تستحق التقدير للمؤلف في توثيق الأحداث. من الواضح من مضمون الكتاب أن موضوع المياه كان إستراتيجيا في التفاوض ، وتم استخدام كل الأسلحة المعلنة وغير المعلنة ومن ضمنها الضغوطات السياسية التي كانت تمارسها الولايات المتحدة من خلال وكالة الإنماء الأميركية والرفض الأردني لهذه الضغوطات كما وثقه الدكتور حدادين. كما أظهر الكتاب محاولات إسرائيلية مستمرة لجعل الأردن يتفاوض نيابة عن الفلسطينيين في بعض المراحل ولكن الرفض القاطع من جلالة الملك الحسين رحمه الله جعل جميع اللجان التفاوضية تركز فقط على القضايا الأردنية بالرغم من الضغط الإسرائيلي المنفذ أميركيا في بعض الحالات.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










