مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول العلاقة بين البيئة والتنمية في الأردن والعالم العربي

عام الزراعة والآبار المالحة

د. فاخر العكور

 

هذا المقال يمثل مساهمة مشكورة من الدكتور فاخر العكور أستاذ إدارة الأراضي والبيئة في الجامعة الهاشمية حول قرار السماح بفتح آبار جديدة ومالحة في وادي الأردن ويتضمن وجهة نظر علمية معارضة لهذا القرار، مع الرغبة في فتح النقاش العام حول هذا الموضوع والمرجعية العلمية التي يتم من خلالها اتخاذ هذه القرارات
 
رؤى ملكية سامية تخرج إلينا تنير لنا الدرب ونستشعر نحن المواطنون أن هناك قيادة واعية لحجم التحديات التي تواجه الأردن سواء كانت طبيعية أو غير طبيعية.
الرؤيا أن يكون عام 2009 عام الزراعة هو نظرة ملكية ثاقبة لما نعانيه من هجمة شرسة للصحراء على أراضينا وعلى الإنسان الأردني بقوت يومه بوجه خاص, والأسباب متعددة ومعروفة للمتخصصين.

عندما تكون الرؤيا الملكية باتجاه الزراعة فان الجهات ذات العلاقة هي المسئولة عن تنفيذها لما تملك من إمكانات وخبرات علمية وعملية تمكنها من ذلك وكونها صاحبة الاختصاص والسلطة. وعليه تبدأ بوضع التصور الأولي لما هو مطلوب تنفيذه كهدف يجب تحقيقه فتشكل لجنة لوضع الخطة العملية لذلك اخذين بعين الاعتبار البعد الزمني والبعد البشري والإمكانات المتاحة وغير ذلك من الأمور التي ليست محل النقاش في هذا الاجتهاد.

جزء الإمكانات المتاحة هي النقطة التي أود إثارتها ومن أهمها الموارد المائية والنباتية. نحمد الله تعالى على امتحاننا في الأردن لكونه في منطقة جافة تفتقر إلى المياه والتي تتزامن مع الزحف الصحراوي الهاجم علينا ونحن نتفرج عليه ونتخبط بحجة مكافحته.

أنا لست ضد هذا التوجه على العكس تماما فطالما نادينا نحن المتخصصون به,  ولكن دون جدوى. تكمن المشكلة في طريقة التنفيذ.

 لقد أثارني موضوع السماح للمزارعين بحفر الآبار وسحب المياه المالحة لري المزروعات في وادي الأردن والذي باعتقادي ومن منطلق المعرفة أن وادي الأردن هو بالأصل يعاني من التصحر وتملح الأراضي. عندما أقول أن وادي الأردن يعاني من التصحر وعلى الرغم من انه سلة الأردن الزراعية إلا أن تدهور الأراضي الزراعية في وادي الأردن هو نمط من أنماط التصحر وهذا بحد ذاته ليس ادعائي وإنما هناك الكثير من الأبحاث والدراسات العلمية من الأكاديميين والفنيين وحتى على مستوى وزارة الزراعة تشير إلى ذلك.
 واللافت للنظر هو ارتفاع ملوحة التربة في ترب وادي الأردن ومنذ فترة طويلة والتي مع استمرار الزراعة بمياه مالحة سوف تفقده تربته كوسط قابل للزراعة. إضافة لاستنزاف المياه الجوفية وتلويث المياه الصالحة للري السطحية منها والجوفية, وبعبارة أخرى  نقل التلوث من نقاط محددة إلى مساحات كبيرة.

أولا اسأل أصحاب العلاقة لماذا وادي الأردن بالتحديد وبالمياه المالحة. هل هي رغبة ملكية سامية. أعتقد جازما بلا فجلالة الملك لم يكن يوما ليقبل ذلك. لم تكن رؤيا جلالة الملك أن يكون العمل من اجل زيادة الغطاء النباتي لحل مشكلة ما على حساب خلق ومضاعفة مشكلة أخرى فهو ضد ذلك قلبا وقالبا.

إن اختيار وادي الأردن ليس بالخطأ ولكن آلية التنفيذ والتي تبدوا لنا نحن المتخصصين انه الخطأ القاتل لوادي الأردن فالملوحة سترتفع وسنساهم إن سكتنا بوأده وتسريع تصحره.

بحسب تقارير وزارة المياه والري ممثلة بسلطة وادي الأردن بدليل نوعية مياه الري وتحليلها بتقريرها عام 2003 وفي تقسيمهم لنوعية المياه في وادي الأردن فان القسم الأول من المجموعة الثانية (مياه ملوحتها اقل من 1.7 ملليموز / سم) ومن المناطق المفصلة فيه فان نسبة الملوحة في مياه الآبار والسيول والأودية :- آبار المخيبه وحمامات الشونة ومخلوطها وأودية الجرم ودير أبي سعيد وكفرنجه واليابس  كما هو مذكور بالتقرير سواء بالنصف السنوي الأول أو الثاني فان ملوحة المياه تصل إلى 1.12 و 1.15 ملليموز / سم على التوالي , ومع زيادة تركيز الأملاح من خلال الري فسوف يرتفع التركيز عن 1.12 والتي ستكون غير صالحة لري الحمضيات على سبيل المثال. أما القسم الأول من المجموعة الثالثة من تقسم مياه الري (الملوحة فيها أكثر من 3 ملليموز / سم) في عين النخيل ونبع النساء المالح والسعيديه وسيل الزرقاء / جسر معدي فإنها صالحة فقط لزراعة الهليون والنخيل والشعير من المحاصيل الشائعة في وادي الأردن. أما التربة فحدث ولا حرج فنسبة ملوحة التربة ستكون اكبر من ذلك بكثير نتيجة الممارسات الزراعية الخاطئة وتراكم الأملاح فيها كون عمليات غسل التربة معدومة واستمرار الري بمياه مالحة.

السؤال الثاني متعلق بالخطط والسياسات الزراعية.

العالم أجمع يخضع لتغيير طبيعي بخصائص أراضيه الطبيعية وهناك العديد من الخطط والسياسات التي توضع من اجل تغيير النمط الزراعي وتوعية المزارعين بذلك لتغيير الثقافة الزراعية لدى الناس بما يتوافق مع الظروف البيئية المحيطة.

هل هذا القرار مدروس علميا وعمليا؟

جلالة الملك المعظم يضع توجهات ورؤى استرشادية وتوجيهية للجهة التنفيذية فقط. أما اختيار المواقع والية التنفيذ والمدد الزمنية اللازمة للتنفيذ فتكون من اختصاص أصحاب العلاقة ومنه يتم دراسة الحالات بالتفصيل ومثال على ذلك المكارم الملكية بالسكن الكريم للعيش الكريم حيث وضع جلالة الملك رؤياه وكان التنفيذ باختيار الفئات المستهدفة وأماكن السكن وغير ذلك من الأمور التفصيلية بتعليمات تم وضعها من قبل لجنة خاصة بذلك. اذا المطلوب توعية بطريقة جاذبة تكون وزارة الزراعة قدوة بتنفيذ الزراعات من خلال مشاريع زراعية تتناسب مع الظروف البيئية المحلية للموقع وللأردن عامة بحسب المناطق.

لماذا لا يتم الاتجاه لتطبيق رؤيا جلالة الملك السامية إلى المناطق الحدية أولا لوقف زحف الصحراء واختيار النباتات المناسبة بما يسمى بالنباتات ذات الندرة المائية لزيادة الغطاء النباتي أولا ولاستعادة النظام البيئي ومنع تدهور الأراضي والتي بدورها تساعد في تقليل تأثير التغير الحاصل على المناخ الأردني والإقليمي. اعتقد انه ولتنفيذ الرؤى الملكية السامية قد حان الأوان للاعتراف بما هو موجود ومتاح لنا من إمكانات بيئية ووضع الخطط بما يتناسب معها واستغلال هذا التوجه الوطني لتنفيذ التوعية الزراعية بصورة جديدة بعيدا عن الأنماط الزراعية التقليدية التي أصبحت بالية.

إن التوجه الآن لاختيار نباتات ذات احتياجات مائية قليلة والتي تتحمل الجفاف والملوحة الموجودة وليس المضافة هو المطلب العلمي كنتيجة بحثية لشريحة واسعة من الأكاديميين والباحثين في مختلف مواقعهم. قد يجيب البعض أن الوقت قد داهمنا ودخلنا في عام 2009 وعلينا التنفيذ. أقول هل تفسير الرؤيا الملكية بان تتم الزراعة هذا العام فقط.

اعتقد أن المغزى كان غير ذلك. وتصوري أن تكون الانطلاقة المكثفة هذا العام فهناك الكثير من المواقع على مستوى الأردن جاهزة لتنفيذ الأعمال الزراعية فيها بما يخدم هذه الرؤيا دون أن نسبب تدهور زراعي في المستقبل القريب.

من هذه الأفكار التي يمكن أن نطرحها لأصحاب العلاقة أن يتم زراعة نباتات علفية في المناطق الحدية التي أشرت إليها سابقا . أيضا تشجيع المدارس والجامعات والشركات والمؤسسة العسكرية وغيرها على البدء بذلك.

في إحدى الورشات العلمية حول نبات الهوهوبا ودوره في مكافحة التصحر في الجامعة الهاشمية تم طرح هذا النبات كبديل زراعي كون الدراسات العلمية والعملية تشير إلى إمكانية زراعته في الأردن وباحتياجات مائية قليلة والتجارب في مناطق الجوار كثيرة وشاهد على ذلك, وعلى هامش الورشة تم نقاش حول التخوف من هجوم المزارعين على هذه الفكرة وخصوصا مزارعوا الزيتون. أقول إن التخوف من صعوبة تغيير النمط الزراعي بآخر جديد ليس في مكانه فهذه النباتات ليست بديلا عن الزيتون وإنما هو وسيلة علاج للمناطق التي لا تصلح فيها زراعة الزيتون وغيره. إضافة إلى أن مردودة الاقتصادي على المزارعين والدولة الأردنية كبير جدا. وكنتيجة لهذا يكفي أن يكون هذا النبات أو غيره أداة لزيادة الغطاء النباتي ووقف الزحف الصحراوي والذي من وجهة نظرنا كبيئيين انه ذو مردود وجدوى اقتصادية عالية ليس من منظور العائد المالي المباشر وإنما من منظور المحافظة على البيئة وإعادة تأهيل المواقع المتدهورة بأقل التكاليف كون الفاقد من الأرض الزراعية كبير والأرض الزراعية هي مورد طبيعي يعتبر من الأملاك ورؤوس الأموال الثابتة للدولة مثلها مثل النفط والذهب عند غيرنا وإعادة استصلاحها وتأهيلها سيكلف الخزينة مبالغ باهظة جدا.

 اعتقد انه حان الوقت وبفضل التوجيهات الملكية السامية إلى تغيير الثقافة الزراعية والبعد عن الخوف من التغيير فنحن محكومون بالطبيعة وتغيراتها وشح مواردنا المائية.

اعتقد أننا يجب أن نعترف بالتغيير الحاصل في ظروفنا البيئية وعليه يكون التغيير بما يتناسب مع هذا التحول البيئي ضرورة ملحة وعلينا نحن المتخصصين وزر التنفيذ الخاطئ.

 


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية