حالة من الإرباك واجهت الإعلام والحكومة خلال الأيام الماضية بعد نشر وكالة أنباء رويترز لخبر صحافي حول دراسة علمية ذكرت وجود نسب عالية من تراكيز الراديوم المشع في عينات من المياه الجوفية من حوض الديسي تتجاوز النسب المسموح بها عالميا، وفي بعض الحالات بحوالي عشرين مرة. الدراسة بحد ذاتها كان يمكن أن تنشر وتبقى مجهولة كما هي حالة آلاف الدراسات العلمية، لولا أن خبر رويترز جعلها مادة مثيرة في وسائل الإعلام، وهذا ما أثار حالة من الخوف والإرباك محليا وربما ساهم في عدم التعاطي الهادئ مع النتائج كما هو مطلوب في هذه الحالات. التغطية الإعلامية للدراسة في اليوم الأول اندفعت نحو تسييس المسألة وإدعاء وجود مخطط إسرائيلي لعرقلة مشروع الديسي من خلال هذه النتائج، خاصة مع وجود باحثين إسرائيليين مشاركين في الدراسة من جامعة بن جوريون. هذا التوجه ليس علميا وليس منطقيا ولا يخدم أحدا ولا يقنع الناس. الحديث عن "التوقيت المريب" للدراسة ليس علميا أيضا لأن الدراسة تم تقديمها للمجلة في تشرين الأول 2008 ونشرت في شباط 2009 بعد المراجعة والتقييم كما هي الحالة في المنشورات العلمية المحكمة ومن الصعب ربطها بالإغلاق المالي لمشروع الديسي بهذه البساطة المطلقة! النتائج مقلقة بلا شك والتفسيرات السياسية التي ظهرت ليست هي المطلوبة. في هذه الحالة العلم الدقيق فقط هو الذي يجب أن يتحدث. المطلوب تصريحات واضحة من العلماء الأردنيين المشاركين في هذه الدراسة من جامعة البلقاء التطبيقية وهم من الشخصيات العلمية المحترمة والمعروفة في الأردن. حتى الآن لم يتحدث هؤلاء مع أن الأولوية تبقى للتعاطي علميا مع المسألة. المؤلف الرئيسي للدراسة الدكتور أفنر فينغوش لم يتحدث مع وسائل الإعلام منذ نشر خبر رويترز، وقد أرسلت له رسالة إلكترونية قبل أيام طالبا منه نسخة من الدراسة لأنها غير متاحة عبر الإنترنت إلا بإشتراك مالي. المؤلف رد وقال في رسالته بأنه مصدوم من ردود الفعل السياسية وأن الهدف الوحيد للدراسة حسب ما قاله هو تقييم نوعية المياه في الآبار الجوفية ولم تكن هناك أية دوافع للتأثير على مشروع الديسي. كما ذكر في رده أن الدراسة تضمنت أيضا وسائل مقترحة لمعالجة المياه من تراكيز الراديوم المشع قبل إيصالها للمستهلكين وأن هذه المسألة قابلة للتنفيذ فنيا ولكنها سوف تتضمن تكلفة إضافية. لدينا في الأردن من الجامعات والعلماء المختصين من يستطيع مناقشة الدراسة، ومن يريد نسخة منها يمكن أن يراسلني عبر البريد الإلكتروني أدناه، ومن الضروري أن تعتمد وسائل الإعلام على الرأي العلمي لا التنظير السياسي في هذه القضية. الحديث عن تعطيل مشروع الديسي هو حديث ذا شجون، وهناك الكثير من المحاذير السياسية التي تمنع الكشف عن بعض الوقائع المثيرة للإحباط في توضيح اسباب تأخر التمويل لهذا المشروع من البنك الدولي، وإذا ما أردنا أن نفتح باب النقاش فربما سيكون من الصعب السيطرة على تبعاته، ولكن بالنسبة لما هو مهم حاليا، ونعني بذلك نوعية مياه الديسي وتأثيرها على المشروع فهذه قضية يمكن التعامل معها علميا ولا سبب للتخوف الشديد. الدراسة تقول أن تراكيز عناصر الراديوم 226 والراديوم 228 تزيد عن الحد المسموح به دوليا في مواقع محددة من آبار الديسي وخاصة في مجموعة رم وذلك نتيجة وجود تراكيز عالية من العناصر المشعة في الصخور العميقة حول حوض المياه الجوفية. الدراسة اعتمدت على تحليل عينات من 37 بئرا في مجموعة رم ومجموعة الخريم وهي موثقة في الدراسة لمن يهتم من المختصين وصناع السياسات. النتائج افادت أن التركيز العالي هو في مجموعة رم وليس مجموعة الخريم، مع أن ملوحة المياه في مجموعة رم أدنى وهي بالتالي أكثر جودة من ناحية الملوحة. وقد قارنت الدراسة النتائج مع بعض نتائج تحليل المياه الجوفية في صحراء النقب وفي مصر ووجدت أن هناك تقاربا في تراكيز الراديوم بين هذه المناطق ومجموعة الخريم في الديسي ولكن مجموعة رم تبقى ذات تراكيز أعلى. ما أستطيع أن اقوله من خلال معرفتي كحاصل على شهادة الماجستير في علم البيئة حول هذه النتائج أنها أولا مأخوذة من مجموعة من الآبار الزراعية والخاصة وليست من آبار وزارة المياه والري ومن الصعب تعميم النتائج على كافة كميات المياه من آبار الديسي المختلفة. إضافة إلى ذلك فإن العينات لم تؤخذ على مدار السنة الهيدرولوجية والتي يجب أن تكون مستمرة لمعرفة التغيرات التي تحدث مع الوقت وحسب المواسم، وبالتالي من الصعب ايضا القفز نحو استنتاجات واسعة النطاق بهذه الطريقة. بالتأكيد لدى العلماء المتخصصين الكثير مما يمكن أن يقولوه من خلال معرفتهم الدقيقة، وهذا دور وسائل الإعلام في معرفة الخبراء الذين يمكن الإلتقاء معهم. وعلى كل حال تقترح الدراسة تخفيف تراكيز الراديوم من مجموعة رم من خلال مزجها مع مياه من مجموعة الخريم قبل ضخها للمستهلكين أو من خلال تطبيق تكنولوجيا لمعالجة المياه من الراديوم قبل استخدامها وهي تكنولوجيا التبادل الأيوني أو التناضح العكسي وهي تكنولوجيا مجربة في عدة دول وأثبتت نجاحها. نتائج الدراسة متاحة الآن للمهتمين. يمكن إجراء مجموعة دراسات أخرى من الجامعات الأردنية لتأكيد النتائج أو نفيها باستخدام نفس المنهجية ونفس مواقع العينات ومن ثم توسيع نطاق البحث ليشمل آبار وزارة المياه وكافة مناطق الضخ من حوض الديسي. التوقع في هذه الحالة هو اقتصار النسب العالية في مناطق محددة ولكن في في حال تم التأكد من تطابق النتائج سيكون من الضروري التفكير سريعا بتطوير التكنولوجيا المناسبة لتخفيف تركيز الراديوم ضمن خطة إدارة مياه الديسي وإلى حين ذلك تحديد الاستعمالات من هذه المياه. في نهاية الأمر ما يحتاجه المواطنون والمستهلكون الآن هو العلم والتكنولوجيا التي تكشف الحقائق توفر الحلول المناسبة وتحمي مشروع الديسي الذي هو مشروع وطني إستراتيجي يجب الدفاع عنه وليس نظريات المؤامرة التي تنشر الشائعات لا الحقائق وليس البحث عن النوايا وهو تضييع للوقت والجهد.
الاربعاء, 04 مارس, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











من الأردن
الاستاذ باتر
بعد التحية
الديسي مشروع كبير يحقق لنا نماء ومياه لمدة مئة عام
منحني مدير مؤسسة تشجيع الاستثمار على تطوير المشروع جواب شكر
ارجو المطالبة بان يعمل الخط الثاني الذي سيمر من اراضي شرق وجنوب عمان ليصل الى نهر الزرقاء
طرحك رائع
وتفضل بدخول رابط
هل استحق ان ترشحني لاهل الهمة
http://stepone.jeeran.com/archive/2009/4/836680.html