ولكن من المهم التمييز ما بين الملاحظات البناءة والمتعلق بالشق الإداري والتنموي من المشروع، وهي مبنية على منهجيات وخبرات حقيقية ورؤية منطقية تحاول دراسة إنعكاس هذا المشروع على الهيكلية الإدارية للدولة، وما بين المبالغة في البعد السياسي لهذا المشروع ومحاولة ربطه تعسفيا بخيارات سلبية حول مستقبل القضية الفلسطينية على حساب الأردن.
في رسالته إلى اللجنة الملكية المكلفة بإعداد تصور للإدارة المحلية ركز جلالة الملك على ثلاث مبادئ للتنمية المحلية. المبدأ الأول هو أن " التنمية السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية هي عملية متكاملة". وهذا المبدأ يمثل محور فلسفة التنمية الحديثة في العالم، حيث لا تبنى التنمية السياسية على الفراغ وبدون المشاركة الشعبية، ولا يتحقق النمو الاقتصادي بناء على مؤشرات مالية واقتصادية بدون دور المجتمعات المحلية والإنسان، وكل هذا يعتمد على تنمية إدارية متطورة وتقوية المؤسسات الشعبية. المبدأ الثاني في الخطاب هو " أنه لا بد من توسيع قاعدة المشاركة الشعبية" وهذا يعني أن الملك يضع ثقته هذه المرحلة في الناس، ويطالب بإعطاء المجال لهم بتحقيق أوسع نطاق ممكن من المشاركة وهذا ما يتطلب الانفتاح الرسمي وتمكين المجتمعات وتقوية قدراتها وكذلك وجود النشاط من قبل الناس أنفسهم. المبدأ الثالث هو التوجه الذي يقدمه الملك في مجال التنمية السياسية والتي " يجب أن تبدأ من القواعد الشعبية صعودا إلى مركز صنع القرار وليس العكس".
المشاركة الشعبية في الإدارة المحلية هي الأساس وهذا يتطلب تعزيز الخيارات الإنتخابية المحلية التي تعكس كافة القطاعات الشعبية وتساهم في إنشاء مؤسسات إدارة محلية ديمقراطية وخاضعة للمساءلة الشعبية، وبناء الوحدات التنموية على أسس الموارد الطبيعية بشكل أهم من التقسيمات الإدارية السياسية، وهذا ما يتطلب نمطا من التفكير الإبداعي في تحديد مكونات وعناصر الأقاليم بالإستناد إلى الموارد الطبيعية والخصائص التنموية-الاقتصادية.
هذه الدراسة المتعمقة لمشروع الأقاليم تمثل فرصة مناسبة جدا لإعادة تعريف الإدارة التنموية المحلية حسب معادلة الموارد الطبيعية وخاصة الموارد المائية بأحواضها الجوفية والسطحية والينابيع وكذلك الموارد الزراعية النباتية والرعوية واستعمالات الأراضي واستثمار الثروات المعدنية وأن تكون هناك حقوق إدارة محلية لهذه الموارد لا تتعارض مع الأسس الناظمة تشريعيا ووطنيا لإدارة هذه الموارد. بالطبع فإن كل هذا التوجه يحتاج إلى الكثير من التدريب والتأهيل لترسيخ المعرفة التنموية في إدارة الموارد محليا ، وهذا دور يمكن أن تضطلع به وبشكل كبير الجامعات والجمعيات التنموية في الأقاليم لضمان الإستدامة والمأسسة في إدارة هذه الموارد.
التخطيط لمشروع الأقاليم يجب أن يتضمن بنودا واضحة في تحديد مستوى وحجم الإدارة المحلية للموارد الطبيعية الممنوحة إلى الأقاليم بحيث تتضمن العدالة والشفافية مع التأكيد على عدم تناقض أنماط الإدارة المحلية للموارد مع التشريعات الوطنية التي تهدف إلى حماية الموارد من الإستنزاف.










