مقالتي المنشورة في مجلة آفاق المستقبل، الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية العدد الثالث- يناير/فبراير 2010 هل يحتاج العلم إلى إجماع بين الباحثين على حقيقة واحدة، غير قابلة للنقض والنقاش؟ من المعروف أن الأساس الفلسفي للعلم هو الشك وعدم التيقن، وهذا التوجه هو الذي جعل العلم يجتاح في سلسلة طويلة من الإكتشافات التجريبية والمخبرية الكثير من القناعات الفلسفية وأحيانا العقائدية المسبقة في تاريخ تطور الثقافة الإنسانية. ولكن العلم تمكن أيضا من إبقاء جذوة الشك قائمة لتمسح، وتغير الكثير من المراحل من الإكتشافات العلمية نفسها إلى ما هو أكثر تطورا ودقة. باختصار، أن كل "حقيقة" علمية يكشف عنها المختبر والأرقام والشواهد الفيزيائية والبيولوجية والكيميائية هي ليست "حقيقة مطلقة" بل دعوة مفتوحة إلى بقية العلماء لتطوير تجارب ومنهجيات جديدة قد تعزز أو تبدل من هذه الحقائق. إنها رحلة متواصلة من الإكتشاف تعتمد على عدم التيقن. واحدة من أهم القضايا التي وصلت إلى قمة الأولويات العلمية في العقود الثلاثة الماضية هي قضية تغير المناخ الناجم عن ظاهرة الإحتباس الحراري. في العام 1979 أشار المؤتمر العالمي الأول للمناخ الذي تم تنظيمه من قبل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أثر النشاط الإنساني على الأرض ودعا إلى تعاون دولي لاستكشاف مستقبل مناخ الأرض. وبعد عدة محاولات عقد برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمجلس الدولي للعلوم وهو منظمة غير حكومية اجتماعا في عام 1985 لمناقشة "تقييم دور ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة الأخرى في التغيرات المناخية والآثار المرتبطة بها". وقد توصل المؤتمر إلى أنه "كنتيجة لزيادة الغازات الدفيئة يُعتقد الآن بأنه في النصف الأول من القرن القادم (القرن الـ 21) يمكن أن يحدث ارتفاع في متوسط درجة الحرارة العالمية سيكون أكبر من أي ارتفاع في تاريخ الإنسان". وفي عام 1987 أدرك المؤتمر العاشر للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية الحاجة إلى تقييم علمي لأثر الغازات الدفيئة على البيئة وكذلك الآثار الاجتماعية والاقتصادية لها. وقد قام برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية بتنسيق إنشاء آلية حكومية دولية لوضع هذه التقييمات تحت إسم الهيئة الحكومية المشتركة حول تغير المناخ Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC) . وقد لعبت الهيئة دورا محوريا في توثيق المعرفة العلمية الخاصة بتغير المناخ في الغلاف الجوي خلال السنوات العشرين الماضية من خلال نشر تقارير تقييمية شاملة حول مظاهر تغير المناخ وخيارات التخفيف والتكيف، والسيناريوهات المتوقعة في السنوات القادمة وقد صدر عن هذه الهيئة أربعة تقارير تقييمية آخرها في العام 2007. وتمكنت الهيئة من إنشاء سمعة أسطورية كمرجعية عالمية لتغير المناخ وحظيت في العام 2007 بالحصول على جائزة نوبل للسلام مشاركة مع نائب الرئيس الأميركي الأسبق آل غور والذي يعتبر أهم السياسيين والشخصيات العالمية تأثيرا في الدعوة إلى مكافحة تغير المناخ والتحذير من نتائجه. وقد حققت الهيئة سمعتها العالمية بفضل آلية عملها المتميزة. فمنذ بدأت عملها في العام 1988، حرصت الهيئة الدولية على تسخير أفضل العقول العلمية من كافة أنحاء العالم من أجل توثيق وتفسير كل ما هو معروف أو غير معروف بشأن التغيرات المناخية الناتجة عن أنشطة يقوم بها البشر. تتولى مجموعات عمل متعددة إعداد مسودات التقارير من خلال المراجعة الدقيقة لكافة النشرات العلمية المحكمة. وتتسم عملية المراجعة هذه بالشفافية، حيث تدعو الهيئة الحكومات إلى المشاركة من خلال ترشيح الخبراء للعمل مع مجموعات العمل المختلفة، ومراجعة الوثائق التمهيدية التي تعدها الهيئة ثم التعليق عليها، وفي النهاية الموافقة على التقارير النهائية التي تصدرها الهيئة من قبل الحكومات. وجود أبرز العلماء في هذه الهيئة ساهم طوال سنوات طويلة في تهميش وإضعاف الأصوات العلمية النادرة التي كانت تطرح رؤى مغايرة حول تغير المناخ وتنادي بالتقليل من شأن النماذج الحاسوبية المستخدمة في تنبؤات تغير المناخ والترويج لنظرية أن التغير الحالي هو نتيجة طبيعية لدورات متكررة من تغير درجات الحرارة شهدتها الكرة الأرضية في السابق وسوف تشهدها مستقبلا، وأن الإحترار الحالي سوف يتوقف وتستعيد الأرض توازنها الطبيعي، حتى بدون الحاجة إلى إجراءات فعالة لتقليل الإنبعاثات العالمية من ثاني أكسيد الكربون. هذه الطروحات من "علماء المناخ المشككين" Climate Skeptics كانت تتعرض دائما لهجوم متواصل من غالبية العلماء المؤيدين لنظرية الأسباب البشرية لتغير المناخ الحالي، وتم اتهام العلماء المشككين بنقص الأدلة وضعف المنهجية العلمية والارتباط بشركات النفط والغاز خاصة أن معظمهم من العلماء الأميركيين. في واقع الأمر تم "إقصاء" هؤلاء العلماء على منابر المناقشات العلمية بشكل منهجي والمقارنة بينهم وبين العلماء الذين كانوا يدّعون عدم وجود تأثير للسجائر على الصحة وعلى تكوين سرطان الرئة، والذين كانوا في معظم الحالات يحصلون على دعم مالي من شركات التبغ العالمية. قبل انعقاد مؤتمر كوبنهاجن لتغير المناخ في الشهر الماضي حدثت هزة لمقياس المصداقية العلمية لهذا "الإجماع" الذي يسيطر على الأوساط البحثية المتعلقة بتغير المناخ عندما تمكن قرصان إنترنت مجهول من نشر مجموعة كبيرة من رسائل البريد الإلكتروني والوثائق المخزنة في حواسيب وحدة تغير المناخ في جامعة إيست أنجليا البريطانية، والتي تعتبر الوحدة العلمية الأهم تأثيرا في التنسيق لمؤتمرات تغير المناخ ولها أيضا مساهمة كبيرة في عمل الهيئة الحكومية لتغير المناخ. هذه الرسائل والوثائق المسروقة والتي نشرها القرصان عبر الإنترنت على خادم معلومات موجود في روسيا وصل حجمها إلى 160 ميغابايت وتغطي فترة عشر سنوات سابقة تعطي إنطباعا بوجود تباين في وجهات النظر العلمية حول ظاهرة تغير المناخ وأن علماء جامعة إيست أنجليا كانوا يعملون على قضيتين هما التقليل من شأن الأبحاث التي تعطي نتائج مناقضة لنتائج الوحدة والهيئة الحكومية المشتركة بالإضافة إلى محاولة إخفاء بعض الأبحاث التي تفيد بوجود إنخفاض وليس ارتفاع في درجات الحرارة. الضحية الأولى لهذه الفضيحة كان البروفيسور فيل جونز مدير الوحدة والذي قدم استقالته فورا مؤكدا بأن هذه السرقة للمعلومات لم تكن من داخل الوحدة بل من خارجها وأنها تهدف إلى "التشكيك بالقواعد العلمية خدمة لجهات لا تريد التوصل إلى اتفاقية في كوبنهاجن"، على حد تعبيره. ولكن قصة الرسائل الإلكترونية المسروقة لم تمثل أداة ضغط حقيقية ومنهجية على مؤتمر كوبنهاجن حيث إقتصرت عمليات توظيف هذه الفضيحة في حملات النقد للهيئة الحكومية على بعض الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس الأميركي إضافة إلى رئيس الوفد السعودي د. محمد الصبان الذي قال في تصريح لشبكة البي بي بسي أن مضمون الرسائل الإلكترونية "يثبت" بأن تغير المناخ ليس نتيجة أسباب بشرية بل لتقلبات طبيعية وأن هناك تلاعبا في النتائج يجعل من النتائج المنشورة بعيدة عن الثقة، كما طالب بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة خصوصاً وأن السعودية تستعد لتوقيع اتفاق سيعني التضحية ببعض اقتصاداتها، مشيرا إلى الثمن الذي يمكن أن تدفعه الدول المنتجة للنفط في حال تراجع الطلب على النفط في السوق العالمي نتيجة أي اتفاق يدعو إلى تخفيض انبعاثات الكربون. هذا الهجوم أثار غضب راجيندرا باتشاوري، رئيس الهيئة الحكومية المشتركة، والذي دافع بشدة عن تقرير الهيئة وقال «يظهر أن البعض ذهب إلى أبعد مدى للقيام بأعمال غير مشروعة، ربما في محاولة لتقويض جهود لجنة تغير المناخ، ولكن اللجنة لها سجلّ من الشفافية والتقويم الموضوعي على مدى 21 عاماً». وعلى كل حال، فإن كرة الثلج التي بدأت تتكون بسبب نشر الرسائل الإلكترونية لم تكبر وتستمر في النمو، بل تعرضت إلى ما تتعرض له الكتل الجليدية من ذوبان بفعل زيادة درجات الحرارة لأن الأدلة العلمية حول تغير المناخ لم تعد مقتصرة على تحليل تراكيز ثاني أكسيد الكربون في العينات الجليدية القديمة ومقارنتها عبر السنوات، ولا عبر النماذج الرياضية الحوسبية بل أصبحت واضحة العيان من خلال الملامح الحالية من الكوارث البيئية وخاصة الفيضانات والأعاصير في المناطق الإستوائية وجفاف الأنهار والبحيرات وذوبان الكتل الجليدية وتزايد التغيرات في أنماط توزيع الكائنات الحية. سوف يبقى الجدل العلمي مستمرا في شأن تغير المناخ والإحتباس الحراري فهذه هي شيمة البحث العلمي خاصة عندما يرتبط باستحقاقات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة وشديدة التأثير. ولكن على ما يبدو أن المعسكر الكبير من أغلبية العلماء المؤيدون لنظرية تسبب النشاطات البشرية بتغير المناخ قد تمكنوا من تفادي أزمة مصداقية كان يمكن أن تعصف بكثير من الأسس العلمية التي تحكم المفاوضات العالمية المعقدة حول تغير المناخ.
الجمعة, 08 يناير, 2010
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










