ركز وزير المياه والري في مؤتمره الصحفي قبل يومين على خيارات "تعديل" اسعار تعرفة المياه وخاصة لأغراض الشرب بحيث يتم التوجه إلى رفعها تدريجيا بناء على محددات ومعايير ترتبط بدورة إدارة الطلب على المياه. الوزير حاول أيضا التخفيف من وطأة التفاؤل الشديد الذي شعر به المواطنون، ربما بطريقة عفوية من جودة الموسم المطري حتى الآن فهذه الزيادة في نسبة هطول الأمطار، بالرغم من البركة التي منحتها للبلاد ليست حلا سحريا لأزمة المياه المتراكمة. هذه ليست مسألة جديدة بل توجه يتم الحديث عنه منذ سنوات ويفرضه واقع مرّ. ما يمنع الحكومة من اتخاذ هذا القرار هي محددات الاقتصاد السياسي لإدارة المياه في الأردن والتي تجنح دائما نحو تقديم الدعم لموارد المياه بحيث يبقى السعر قليلا ومتناسبا مع كافة قطاعات الطلب، ربما باستثناء القطاع الصناعي الذي يدفع دينارا لكل متر مكعب من المياه مقارنة بالقطاع الزراعي الذي يدفع مبالغ أقل من عشرة قروش حسب نوعية المياه ومواردها. هناك حقائق لا بد من الحديث عنها بتجرد عن العواطف مهما كان ذلك مزعجا. المياه هي المورد الوحيد في هذا البلد الذي يستحق أن يتم رفع سعره وليس السلع والخدمات التجارية الأخرى. ولكن مورد المياه لا يزال مدعوما من قبل الحكومة ولا يزال في الكثير من الأحيان يتعرض للاستنزاف في ظل التردد المبرر سياسيا في إتخاذ القرارات غير الشعبية التي لا مناص منها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراجع الموارد المائية. لا يدفع المواطن الأردني عبر فاتورة المياه ، وحتى بعد خصخصة المرافق المائية في عمان أكثر من %40 من تكلفة نقل المياه إليه ، سواء من خلال النقل من المصدر أو التخزين أو البنية التحتية أو نفقات معالجة المياه. وفي النهاية يحصل %98 من الشعب الأردني وضيوفه على المياه وهي تصلهم عبر أنابيب المنزل وهذا إنجاز لم تحققه إلا الدول الصناعية الكبيرة ، بالرغم من أن حصة المياه للفرد الواحد في الأردن هي 145 مترا مكعبا وهو من أدنى عشر نسب في العالم. لا يوجد وقت ملائم لاتخاذ قرار رفع اسعار المياه. ولكن التوجه يجب أن يكون بطريقة منظمة وتستهدف الفئات الأكير استهلاكا، وتتناسب مع برامج رقابة وضبط لمنع الفاقد المحسوب فنيا والفاقد الضائع اجتماعيا وتستخدم التكنولوجيا الحديثة المختصة بترشيد استهلاك المياه وضبط كودات البناء بحيث تفرض وجود أنماط بناء وبنية تحتية تساهم في إعادة تدوير المياه وتستهدف إعادة هيكلة نمط الزراعة بالتركيز على المنتجات والمحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه وعالية القيمة التجارية والغذائية. أن إستراتيجية قطاع المياه 2008-2022 التي تعتمدها وزارة المياه حاليا تتضمن رؤية شمولية لقطاع المياه من المهم أن يكون تنفيذها متناغما مع القطاعات التنموية الأخرى وخاصة الزراعة. للأسف سوف يضطر المواطن الأردني أن يقتنع بأنه إذا أراد أن يضمن حصول أبنائه وأحفاده على المياه فلا بد من أن يقبل ببعض القرارات الحتمية ومنها رفع اسعار المياه كضرورة لا بد منها لتعديل سلوك الاستهلاك والمساهمة في المزيد من الترشيد. ولهذا كله من المهم للحكومة التوقف عن رفع الأسعار والضرائب على السلع الأخرى بشكل عشوائي حتى يبقى هناك مجال وقدرة للمواطن الأردني لتحمل رفع اسعار المياه ، وهي المورد الوحيد الذي يعتبر رفع سعرها خيارا استراتيجيا لا بديل عنه. الخيار الصعب الآن هو التوجه نحو فصل البعد الاقتصادي والتنموي للمياه عن البعد السياسي وهي عملية لن تكون سهلة وسوف تضطر عدة جهات وقطاعات لدفع ثمن هذا القرار ولكن الحكمة تقتضي تنظيم قرارات رفع اسعار المياه بما يكفل الحفاظ على الحد الأدنى المطلوب من كميات المياه التي تضمن الصحة والسلامة والحقوق التنموية للمواطنين وخاصة الطبقات الفقيرة.
الاثنين, 08 مارس, 2010
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










