مرصد البيئة الأردنية
مدونة إخبارية وتحليلية حول البيئة والتنمية والاقتصاد في الأردن

نحو نقاش علمي ذكي حول المشاريع الإستراتيجية في الأردن

تعتمد المنهجية العلمية على الحقائق، والتقييم العملي ووضع الفرضيات المختلفة واختبارها وكذلك الاستفادة من التجارب السابقة في تحديد القرارات الصحيحة. العلم التطبيقي بعكس القناعات الاجتماعية والدينية لا يقبل بالضرورة الإجماع على حقيقة واحدة غير قابلة للنقض والنقاش. الأساس الفلسفي للعلم هو الشك وعدم التيقن، وهذا التوجه هو الذي جعل العلم يجتاح في سلسلة طويلة من الإكتشافات التجريبية والمخبرية الكثير من القناعات الفلسفية المسبقة في تاريخ تطور الثقافة الإنسانية. ولكن العلم تمكن أيضا من إبقاء جذوة الشك قائمة لتمسح، وتغير الكثير من المراحل من الإكتشافات العلمية نفسها إلى ما هو أكثر تطورا ودقة. باختصار، أن كل "حقيقة" علمية يكشف عنها المختبر والأرقام والشواهد الفيزيائية والبيولوجية والكيميائية هي ليست "حقيقة مطلقة" بل دعوة مفتوحة إلى بقية العلماء لتطوير تجارب ومنهجيات جديدة قد تعزز أو تبدل من هذه الحقائق. إنها رحلة متواصلة من الإكتشاف تعتمد على عدم التيقن.

في المسيرة التنموية لأية دولة في العالم ، تحتاج الدولة إلى اتخاذ قرارات وتوجهات تعتمد على قاعدة علمية متينة. إتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، كلما كان ذلك مبكرا هو التصرف الصحيح والحكيم، لأنه يوفر على الدولة الموارد والوقت والجهد وخطورة الحاجة إلى إعادة التخطيط والتنفيذ وتصليح الأخطاء. في العلم لا يوجد مكان للرأي الواحد، ولا المكارثية التي تمنع النقاش وتخوّن اصحاب الرأي المختلف لأن الفيصل هو الحقائق العلمية وليس التهييج السياسي أو حملات التعبئة الوطنية.

يمر الأردن حاليا في مرحلة تتطلب الدخول في مشاريع كبيرة ذات طبيعة استراتيجية تتضمن تخصيص مئات الملايين من الدنانير إن لم يكن أكثر في خيارات معالجة تحديات الطاقة والمياه والصحة والتعليم والنقل وغيرها من القطاعات الهامة. من الضروري فتح نقاش علمي ذكي يستثمر وجود آلاف الخبراء والمختصين والعلماء الأردنيين الذين يستطيعون تقديم آراء علمية دقيقة وبنية على الوقائع والدراسات والتي يمكن أن تساهم في وضع الضوابط الفنية المطلوبة على هذه المشاريع والتحذير المبكر من بعض الآثار الجانبية أو الخطأ في تخصيص الموارد، وذلك في وقت مبكر قبل أن يتم اتخاذ قرارات غير مدروسة بعناية. أن الإدارة الحديثة لكافة المشاريع تتطلب نمط "الإدارة التكيفية" Adaptive Management والتي تستجيب للمتغيرات الخارجية والموضوعية والتطورات الخاصة بالتكنولوجيا والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية وتبقي القدرة على مراقبة الظروف المتغيرة كعنصر أساسي من النجاح وليس الالتزام برأي واحد لا يقبل النقاش وعدم التطلع إلى الآراء الأخرى.

ليس من المنطقي ولا من السليم إغلاق الباب أمام النقاش العلمي الذكي حول هذه المشاريع لأن البديل هو ترك الساحة مفتوحة لأنصاف العلماء وأصحاب النزعات الإيديولوجية والصوت العالي والتهييج السياسي والمتسلقين نحو الشعبية والذين يحولون القضايا من مناقشات متزنة إلى مهرجانات خطابية.

 


خبّر عن هذا المقال:KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية